ما هو القانون؟ (2015)

أقترح اليوم للنظر إلى القانون من منطلق مختلف عما جرت عليه العادة بالنسبة للحقوقيين، القضاة منهم والمحامين. وأقترح أيضاً اعتماد ما يسمى “التنوع القانوني” على أنه النهج المناسب لفهم الظواهر القانونية في فلسطين وفي الكثير من الدول والعربية والإسلامية منها بالخصوص.

فالتفاعل بين القانون (law) الصادر عن الدولة والقواعد القانونية الملزمة (norms) التي يتم الالتزام بها بغض النظر عن تقنينها في قوالب قانونية صادرة عن الأجهزة الرسمية في الدولة (التشريعية والقضائية)، ظاهر للعيان ولكنه لا يؤخذ بالجدية والاهتمام اللازمين بسبب التمسك بالوضعية القانونية كأساس لفهم الظاهرة القانونية – أي أن التركيز يكون على القانون على أنه مجموع القواعد التي تصدرها الدولة من خلال الوسائل الرسمية لإنتاج القانون.

وأبدأ في هذه المدونة في نقض بعض المفاهيم الخاطئة عن القانون والتي بنيت على افتراضات سائدة ومهيمنة ولكنها مضللة:

الافتراض الأول: القانون يعبر عن “إرادة” الدولة وحدها؛ الدولة لها “إرادة”؛ والدولة هي التنظيم السياسي الوحيد؛ والدولة تستخدم القانون وحده لتعبر عن “إرادتها”… فالقانون ليس “تشريع” فقط، وليس كل “تشريع” قانون.

الافتراض الثاني: القانون يعبر عن تلك القواعد التي تستطيع الدولة فرضها بالقوة إن لزم؛ القانون ملزم؛ والإلزام يقتضي التنفيذ؛ والتنفيذ بالقوة يعني إلزام… فالقانون ليس ما هو ملزم فقط، وليس كل ما هو ملزم قانون.

الافتراض الثالث: يشكل النظام القانوني في الدولة كل متكامل، حلقة مغلقة، نظام قواعد هرمي مترابط؛ لا شيء يخرج عن حلقة سريان وانطباق القانون؛ يمكن أن نجد في القانون قراءة لكافة الظواهر الاجتماعية والإنسانية… لا تشكل قواعد القانون هرماً مترابطاً، أو تدخل ضمن دائرة مغلفة.

حتى الآن نقضت بعض الافتراضات الخاطئة عن القانون والتي تزعزع المفاهيم السائدة والمهيمنة عن القانون. لكن ما هو القانون؟ هذا ما سأحاول نقاشه الآن.

هناك اختلافات في مفاهيم القانون من حيث اللغة أولا مقارنة بالمفهوم للقانون اصطلاحاً. فالقانون لغوياً (Law, Droit, Diritto) مأخوذ عن اليونانية على ما يبدو ويشير إلى “العصا المستقيمة” والتي يقاس عليها وبها. بمعنى أنها ذات طابع معياري يمكن بموجبه أن تقاس أفعال الناس على أنها كانت مشروعة أم غير مشروعة. فيها أيضاً مفهوم المساواة كونها تضع الجميع تحت نفس المعاملة. أما القانون اصطلاحاً فيشير إلى مجموعة من القواعد (rules) أو المبادئ (principles) والتي تعكس معايير أو أساليب أو ضوابط (norms)، تبرر وجودها الحاجة إلى نظام (order). وبهذا فإن القانون اصطلاحاً أكثر تعقيدا منه لغة.

هناك اختلاف في مفهوم القانون من حيثه كونه تشريع ضروري لتنظيم شؤون الدنيا ومن حيث كونه تعبيرا عن العدالة (الإلهية أو الدينية أو الإنسانية) (بين ius & leges) (بين القواعد والمعايير والأنماط والأساليب من جهة والضوابط والإلزام والتصريح من جهة أخرى؛ بين الانحياز للخير والعدالة والأخلاق من من جهة وبين الحيادية تجاه الفضائل والأخلاق والعدالة من جهة أخرى؛ بين المطلق من جهة والنسبية من جهة أخرى؛ بين الشمولية من جهة وبين الخصوصية من جهة أخرى).

كما أن القانون يختلف من حيث كونه تعبيرا عن إرادة المشرع من خلال التشريع (legislation) أو تكريسا للحقوق (rights). وبالتالي يكون الصراع بين تلك القواعد القانونية المنشأة بإرادة سياسية داخل مجتمع معين أو دولة معينة وبين الحقوق الموجودة والمكتسبة بموجب الطبيعة الإنسانية الواحدة للجميع.

كما يختلف القانون من حيث كونه تعبيرا عن سلطة الدولة سواء من خلال عملية الضبط الإداري أو القضائي (police and judicial) مقابل تلك المرتبطة بالحرية (freedom) للأفراد داخل المجتمع أو داخل الدولة (الأساس قد يكون الضبط من خلال القانون وبالتالي الإباحة فيما عدا ما قيده القانون أو قد يكون المعيار هو الحرية المطلقة كغياب للإجبار في المجتمع كمعيار لتحديد ماهية القانون).

أخيراً هناك اختلاف في فهم القانون من حيث كونه منظومة إنسانية معرضة للتغيير بحسب بل بسبب وكنتيجة لطبيعتها الوضعية (positivist) وتلك المنظومة المطلقة المرتبطة بالطبيعة البشرية أو بالإرادة الإلهية (natural or divine law). كما يختلف مفهوم القانون من حيث كونه منظومة تطمح لأن تعكس أخلاقيات (ethics) أو قيم (values) كل مجتمع و/أو أخلاقيات إنسانية شمولية من جهة أو من كونه غير مقيد بـ، أو محرر من، أو خالي من، أو محايد من حيث، الأخلاق والقيم.

 

عاصم خليل، نشرت هذه #المدونة_الدستورية بالأساس في شهر نيسان 2015 على صفحة وحدة القانون الدستوري. علماً بأنه منذ ذلك التاريخ تم تعديل قانون المحكمة الدستورية العليا وتم تعيين قضاة المحكمة وصدرت العديد من القرارات عن تلك المحكمة وقد كانت موضوع منشورات لاحقة للمؤلف ننصح بالاطلاع عليها. وبالتالي وجب أخذ ما ورد في هذه المدونة على ضوء تلك التطورات وعلى ضوء تلك المنشورات.

تنويه: هذه #المدونة_الدستورية هو جهد شخصي للباحث هدفها تشجيع النقاش على #قضايا_دستورية_مقارنة وهي غير مدققة لغوياً أو محكمة والمعلومات الواردة فيها لم يتم توثيقها بموجب ما هو متعارف عليه. يرجى عدم الاقتباس أو الإحالة إلا بإذن شخصي من الباحث.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s