من له اختصاص تعيين قضاة المحكمة الدستورية العليا ولماذا تأخر تعيين قضاة المحكمة؟ (2015)

تولي الدساتير المعاصرة القضاء الدستوري أهمية خاصة. ومهمة الرقابة على الدستورية تتم من خلال عدة طرق. فقد تكون هذه المهمة من اختصاص المحاكم جميعا وتحت رقابة المحكمة العليا كما في الولايات المتحدة، وقد تمارس من قبل المحكمة العليا بشكل مباشر، وقد تكون من خلال محكمة دستورية أو مجلس دستوري متخصص كما في ألمانيا وإيطاليا من جهة وفي فرنسا من جهة أخرى. تكون الرقابة لا مركزية عندما يكون للمحاكم جميعا الحق بالامتناع مباشرة عن تطبيق القانون الذي تجده مخالفا للدستور. بينما تكون الرقابة مركزية عندم تناط هذه المهمة فقط بالمحكمة العليا أو بمحكمة أو مجلس متخصص لهذه الغاية.

وسواء كان الأمر في الرقابة اللامركزية أو المركزية فإن لتعيين القضاة في المحكمة العليا و/أو في المحكمة الدستورية والمجلس الدستوري أهمية خاصة حيث أن هؤلاء القضاة – غير المنتخبين – سيقررون عملياً مصير تشريعات تم تبينيها من قبل ممثلي الشعب. وبهذا تتحول المحكمة إلى حلبة الصراع النهائية المتاحة أمام الأقليات السياسية والأفراد لإلغاء قانون يُعتبر لسبب معين بأنه مخالف للدستور.

وبالعادة تتشارك سلطات الدولة المختلفة في آلية اختيار القضاة في المحكمة العليا أو الدستورية أو لاختيار أعضاء المجلس الدستوري. ففي الولايات المتحدة حيث يعين قضاة المحكمة العليا التسعة مدى الحياة، بحيث يقوم رئيس الجمهورية وفي حال شغور أحد مقاعد قضاة المحكمة العليا، بتعيين شخص لشغل هذا المنصب ويحتاج لموافقة مجلس الشيوخ على ذلك. أما في فرنسا وحيث تكون مدة ولاية كل عضو معين في المجلس الدستوري تسع سنوات (فيما عدا رؤساء الجمهورية السابقيين الذين يبقون أعضاء حكميين مدى الحياة) يتم تغيير ثلثهم كل ثلاث سنوات، بحيث يتشارك الرؤساء الثلاث (رئيس الجمهورية، رئيس الجمعية الوطنية، رئيس مجلس الشيوخ) في تعيين هؤلاء القضاة (يتم تعيين عضو واحد من قبل كل رئيس من الرؤساء الثلاث كل ثلاث سنوات). وهكذا.

أما في فلسطين فاختصاص التعيين الأول في المحكمة العليا مرهون بقرار رئيس السلطة وحده (مع وجود التزام باستشارة مجلس القضاء الأعلى ووزير العدل – والاستشارة غير ملزمة). وقد كان النص قبل التعديل – والذي تم وأقر في الجلسة الطارئة التي تم عقدها بعد الانتخابات التشريعية الثانية في العام 2006 – يشير إلى وجود ضرورة لموافقة المجلس التشريعي على تعيين القضاة في المحكمة الدستورية العليا. إن موافقة المجلس التشريعي السابق (في جلسة عقدت بعد أن علمت نتائج الانتخابات وحيث سيكون عملياً لحماس أكثرية عددية في المجلس التشريعي) على التعديل (بازالة حق المجلس التشريعي بالموافقة على تعيين القضاة في المحكمة الدستورية العليا) ليدل على أن عملية تعيين القضاة في المحكمة الدستورية العليا دخلت النزاع السياسي بين الأحزاب والمؤسسات الفلسطينية وذلك لوجود وعي بأهمية هذه المؤسسة.

من ناحية أخرى فإن اختصاص رئيس السلطة بتعيين القضاة وحده لم يؤدي في ظل قانون المحكمة الدستورية العليا الحالي إلى تعيين قضاة في المحكمة الدستورية العليا. فما هو السبب في ذلك؟ بل ما هي الحاجة حالياً لتعيين قضاة المحكمة الدستورية العليا؟ وهل الإجراء الانتقالي الوارد نصه في القانون الأساسي وقانون المحكمة الدستورية العليا كافياً؟ أي أن تقوم المحكمة العليا بمهام المحكمة الدستورية العليا إلى حين تشكيلها؟

حيث تم تعديل شروط تعيين قضاة المحكمة الدستورية العليا – بحيث يكون القرار مرهونا بإرادة رئيس السلطة الفلسطينية وحده، فما الذي يعيق تعيين قضاة المحكمة الدستورية العليا حتى الآن (حتى تاريخ كتابة المدونة، نيسان 2015)؟ بل السؤال هو هل هناك حاجة عملياً لتعيين قضاة للمحكمة الدستورية العليا في ظل قيام المحكمة العليا لمهام المحكمة الدستورية العليا؟

للجواب على السؤال الأول أشير أن القانون الأساسي نص على ضرورة إنشاء المحكمة الدستورية العليا والتي تنشأ بقانون وأنه إلى حين ذلك يكون للمحكمة العليا اختصاص الرقابة على دستورية القوانين. وفعلاً قامت المحكمة في النظر في قضيتين قبل إنشاء المحكمة الدستورية العليا من خلال القانون رقم 3 للعام 2006. وبهذا فإن الباحث يفترض بأن السبب الأول الذي يجعل من غير المستعجل لرئيس السلطة تعيين قضاة المحكمة الدستورية العليا التي تم إنشاؤها بموجب قانون المحكمة الدستورية العليا هو عملياً عدم وجود عجلة أو حاجة لذلك في ظل قيام المحكمة العليا بهذه المهام. فالنظام الدستوري لم يترك الأمر بدون تنظيم. لكن قد تكون هناك أسباب أخرى.

السبب الثاني بحسب توقعات الباحث هو أن الشروط الواجب توفرها في قضاة المحكمة العليا والتي وردت في القانون الأساسي تبدو معقدة في بعض تفاصيلها بحيث تجعل من غير الممكن تعيين أشخاص يمكن للسلطة السياسية أن يكون لديها رغبة في تعيينهم. فعلى سبيل المثال، أن يرهن تعيين أساتذة القانون بمن يحملون رتب الأستاذية منذ 5 سنوات ورتبة أستاذ مشارك منذ 10 سنوات تجعل الخيارات أمام السلطة السياسة محصورة بعدد قليل من أساتذة القانون. وهكذا بالنسبة للشؤوط الخاصة بالقضاة والمحامين.

أما السبب الثالث فهو أن تعيين القضاة التسعة في ظل الانقسام بين فتح وحماس وفي ظل ضرورة تعيين قضاة من الضفة ومن الغزة، من حيث عدد القضاة، سيجعل من غير الممكن للمحكمة أن تنعقد (والتي تنعقد في كل مرة بموجب قانون المحكمة الدستورية من سبعة قضاة). بمعنى آخر، في حال تعيين المحكمة الدستورية وكان هناك 5 من الضفة و4 من غزة (أو العكس) فمن المستحيل على المحكمة الدستورية العليا في ظل الانقسام الحالي وصعوبة التنقل بين الضفة وغزة، أن تنعقد في حال تعيين قضاتها. أما المحكمة العليا فيمكنها ذلك من خلال غرفتها في الضفة الغربية وتلك الموجودة في قطاع غزة حيث لا يظهر لدي ما يشير إلى يوجد تحديد أو تقييد على عدد القضاة في المحكمة العليا.

أما السبب الرابع فيكمن في الانقسام الفلسطيني وخاصة في ظل الإجراءات الغربية التي تم بموجبها تعديل قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 3/2016 قبل صدوره عن رئيس السلطة من خلال جلسة طارئة للمجلس التشريعي السابق بحيث أزال أي دور للمجلس التشريعي في عملية تعيين القضاة. فهل يمكن أن يقوم رئيس السلطة وحده بتعيين قضاة أهم محكمة في فلسطين؟ وهل يمكن أن يقوم بذلك بدون توافق بين حركتي فتح وحماس أو بين القوى الفلسطينية المختلفة؟

بناء على ما سبق، يصبح السؤال المشروع أكثر الآن هو: هل نحن أصلا بحاجة لتعيين قضاة محكمة دستورية عليا وبالتالي استكمال ما هو مطلوب بموجب قانون المحكمة الدستورية العليا؟ إن قيام رئيس السلطة بتعيين قضاة المحكمة الدستورية العليا يعتبر واجبا دستوريا (بموجب ما ورد في القانون الأساسي) وقانونياً (بموجب ما ورد في قانون المحكمة الدستورية العليا)، وإن لا يعني هذا بأن قيامه بذلك مرهون بجدول زمني محدد. لكننا نرى بأن مرور تسع سنوات على صدور قانون المحكمة الدستورية العليا – منها ثماني سنوات انقسام – هو وقت كبير جداً مقارنة بالصعوبات المذكورة أعلاه والتي يمكن تجاوزها جميعاً. فالمحكمة الدستورية أنشأت بقانون رقم 3 للعام 2006 وتعيين القضاة ليس من المفروض أن يتأخر وإلا رضينا بالمنطق بأن إنشاء المحكمة من خلال قانون غير كافي وحده بل يكون تفعيل ذلك القانون مرهونا بإرادة رئيس السلطة الفلسطينية. لكن هل نحن فعلاً نحتاج لمحكمة دستورية عليا في ظل قيام المحكمة العليا لمهام المحكمة الدستورية العليا؟

في حال قيام المحكمة العليا بمسؤولياتها بموجب ما ورد في القانون الأساسي وقانون المحكمة الدستورية العليا فإنه لا يوجد من حيث المبدأ أي عجلة لتعيين قضاة المحكمة الدستورية العليا – وبالتالي لفتح الباب أمام صراعات جديدة بين المحكمة الدستورية العليا وجمعيتها العامة وبين المحكمة العليا ومجلس القضاء الأعلى. لكن المشكلة حقيقة هي في عدم قيام المحكمة العليا بالدور المتوقع والمرغوب به لمحكمة دستورية عليا.

ولهذا توصل الباحث إلى قناعة مفادها بأنه ولأسباب عدة حان الوقت لتعيين قضاة المحكمة الدستورية العليا، بحيث تصبح هذه المحكمة المرجعية للكثير من القضايا الخلافية الحالية في فلسطين، بما في ذلك الانقسام والنقاشات حول مكانة التشريعات والمؤسسات القضائية المختلفة، والعلاقة بين القضاء الشرعي/الكنسي والنظامي، وبين التشريعات الخاصة بالشأن العسكري وتلك المرتبطة بالشؤون المدنية، وهكذا. شريطة طبعاً أن يتم تعيين القضاة في المحكمة الدستورية بناء على أسس مهنية وليس على أسس تحاصص أو ولاءات سياسية. فقط عندها يمكن المحكمة الدستورية العليا أن تتبوأ المكانة التي نتوقعها منها ونرغبها لها. هناك أيضاً بعض التعديلات الضرورية على القرار بقانون لضمان استمرارية المحكمة وعدم استحواذها على اختصاصات غيرها من السلطات بما في ذلك المحاكم.

عاصم خليل، نشرت هذه #المدونة_الدستورية بالأساس في شهر نيسان 2015 على صفحة وحدة القانون الدستوري. علماً بأنه منذ ذلك التاريخ تم تعديل قانون المحكمة الدستورية العليا وتم تعيين قضاة المحكمة وصدرت العديد من القرارات عن تلك المحكمة وقد كانت موضوع منشورات لاحقة للمؤلف ننصح بالاطلاع عليها. وبالتالي وجب أخذ ما ورد في هذه المدونة على ضوء تلك التطورات وعلى ضوء تلك المنشورات.

تنويه: هذه #المدونة_الدستورية هو جهد شخصي للباحث هدفها تشجيع النقاش على #قضايا_دستورية_مقارنة وهي غير مدققة لغوياً أو محكمة والمعلومات الواردة فيها لم يتم توثيقها بموجب ما هو متعارف عليه. يرجى عدم الاقتباس أو الإحالة إلا بإذن شخصي من الباحث.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s