ما هي الإشكاليات الموجودة في قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 3 للعام 2006؟ (2015)

هناك عدة إشكاليات في قانون المحكمة الدستورية العليا تبرر ضرورة النظر في إمكانية تعديله تحضيرا لتعيين القضاة فيه (ملاحظة: هذه المدونة نشرت في 2015 قبل تعيين القضاة في العام التالي). وسنضع جانباً الإشكاليات الدستورية المرتبطة باستقلال القضاة في ظل ربط إجراءات تعيينهم بقرار رئيس السلطة الفلسطينية وحده وسأكتفي بنقاش الإشكاليات المرتبطة بالقانون نفسه. وقد كانت هناك مبادرة محمودة من قبل وزير العدل في حينه لتعديل قانون المحكمة الدستورية العليا ولكن التعديلات أخذت القانون في بعض تفاصيله لإشكاليات أكبر.

(نكتفي هنا بالإشارة إلى بعض الإشكاليات الموجودة في النص الأصلي ولن نناقش الإشكاليات الموجودة في القرار بقانون المعدل.)

أولا: المادة (2) والتي من شأنها عملياً تقييد إمكانية انعقاد المحكمة الدستورية في الضفة وفي غزة بشكل مستقل. وهذا يعني أن يتم زيادة عدد القضاة ليصل إلى 14 (سبعة في الضفة وسبعة في غزة) وإما أن يتم تقليل عدد القضاة اللازم لانعقاد الهيئة. أو الاثنين معاً يتم تقليل عدد القضاة اللازم لانعقاد الهيئة إلى خمسة على سبيل المثال وبالتالي تعيين 10 قضاة في المحكمة، يكون رئيسها من الضفة ويرأس هيئة المحكمة في الضفة ونائبه في غزة ويرأس هيئة المحكمة في غزة. أو العكس.

ثانياً: المادة (4) والتي تحدد عملياً شروط التعيين فتعقدها بالنسبة لأساتذة القانون ونسبياً أمام المحامين وتخفف من حدتها بالنسبة لقضاة المحكمة العليا ومحكمة الاستئناف. كما أن الشروط الواجب توفرها لا تحدد النسب من كل فئة مما قد يعني عملياً أن يتم تشكيل المحكمة من قبل إحدى هذه الفئات دون غيرها. وهو ما قد يثير التساؤلات حول جدوى تعيين قضاة محكمة دستورية عليا من قضاة المحكمة العليا نفسها في ظل قيامهم حاليا بهذه المهمة أصلاً.

ثالثا: المادة (5) والتي تحدد إجراءات تعيين القضاة لأول مرة. وهو ما يحتاج إلى تشارك بين السلطات المختلفة في التعيين. أما التعيين بعد ذلك فيكون بتنسيب من الجمعية العامة للمحكمة نفسها. وهو ما قد يعتبر فيه تضارب للمصالح لا نشجعه. فقضاة المحكمة الدستورية العليا ليس شأن المحكمة الدستورية نفسها (وبالتالي جمعيتها العامة) بل هو شأن سلطات الدولة جميعاً. ووجب بذلك تشارك سلطات الدولة في تعيين قضاتها.

رابعاً: المادة (24) فقرة (1) والتي تحدد اختصاصات المحكمة والتي ترتبط بشكل مباشر بما ورد في المادة 25 (وبما ورد في القانون الأساسي). وهنا أهم الإشكاليات. فليس من المفروض على المحكمة الدستورية أن تحل محل المحاكم الأخرى والتي تكون مسؤولة كل بحسب اختصاصها بالبت في النزاعات بما في ذلك تلك التي ترتبط ارتباطا وثيقا ومباشرا بالدستور. فالمحاكم والمجالس الدستورية بالعادة تراقب على الاتفاقيات الدولية وعلى القوانين وفي بعض الأحيان التشريعات الثانوية الصادرة عن الحكومة بموجب تفويض من المشرع أو لتنفيذ ما ورد في التشريع. لكن الصحيح أن يكون اختصاص المحكمة الدستورية مرهونا فقط بالرقابة على دستورية القوانين وعلى دستورية الاتفاقيات الدولية فقط لا غير. وهذا يقتضي مراجعة نص القانون الأساسي أولا ومراجعة المواد 24 و25 ثانياً.

خامساً: المادة (24) فقرة (2) والتي أعطت اختصاص تفسير نصوص القانون الأساسي والقوانين في حال التنازع حول حقوق السلطات الثلاث وواجباتها واختصاصاتها. والصحيح أن مهمة تفسير القوانين لا يجب أن يدخل في اختصاص المحكمة الدستورية العليا بل يكون تفسير القانون لمن وضعه (أي المشرع نفسه) أو للمحاكم الأخرى. أما من حيث تفسير القوانين لتكون منسجمة مع ما ورد في القانون الأساسي فهذا يدخل ضمن اختصاص المحكمة تفسير القانون الأساسي ولا يحتاج النص للإشارة إلى اختصاص المحكمة الدستورية العليا في تفسير القوانين أيضاً.

سادساً: المادة (25) فقرة (1) أشارت إلى دستورية أي “تشريع” أو “عمل” وهذا في غير مكانه للأسباب الواردة أعلاه. فاختصاص المحكمة لا يجب أن يتعدى الرقابة على دستورية القوانين. وفيما عدا ذلك يكون من اختصاص المحاكم الأخرى. إلا في القضايا المرتبطة بالحقوق والحريات الأساسية فيمكن أن يكون للمحكمة إمكانية النظر في الطعون الدستورية المباشرة أو الفرعية من قبل الأفراد، وبهذا قد تكون مراجعتها للأمر مرهونا بالانتهاء أصلا من إجراءات التقاضي المتاحة في النظام القانوني لضمان احترام تلك الحقوق والحريات.

سابعاً: المادة (25) فقرة (2) في غير مكانها حيث أنه وبعكس الأنظمة التي تتبنى نظام محكمة دستورية مستقلة يكون لها الاختصاص بالنظر في الطعون المباشرة أو من خلال الدفع الفرعي، فإنه يتوقع من المحكمة ألا تلغي التشريع بشكل مباشر بل تعلق العمل به وبالتالي يتوقع من الجهة المصدرة للقرار أن تعيد إصداره بما يضمن احترام قرار المحكمة الدستورية العليا. وهذا الأسلوب أقرب لما هو معتمد في أنظمة الرقابة اللامركزية وتحت رقابة المحكمة العليا المختصة في النظر في كافة القضايا ومنها الدستورية – وهو ليس النظام المتبنى في فلسطين.

ثامناً: المادة (25) فقرة (3) يبدو أنها تشير إلى أن القضاء الدستوري في فلسطين – بعكس القضاء الإداري في فلسطين، على سبيل المثال –  سيكون قضاء تعويضي أيضاً. وهو غير واضح كيف سيتم ومن قبل أي جهة ويحتاج إلى توضيح.

تاسعاً: المادة (27) فقرة (1) من غير المحبذ أن يترك الأمر على حاله في الفقرة الأولى بحيث يكون بإمكان “الشخص المتضرر” التقدم بالطعون المباشرة. فمعظم الدول تقيد إمكانية الطعن من قبل الأفراد (الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين) إلا فيما ارتبط بالانتهاكات للحقوق والحريات الأساسية وضمن إجراءات معقدة أهمها أن يكون الشخص قد استنفذ كافة الوسائل المتاحة في الدول بما في ذلك إجراءات التقاضي الوطنية العادية.

عاشرا: المادة (27) فقرة (2) تشير إلى كافة ما يمكن للمحكمة أن تنظر في دستوريته وهو ما قلنا سابقاً بأنه في غير مكانه ويجب حصره فقط في النظر في عدم دستورية الاتفاقيات الدولية أو القوانين وما في حكمها (القرارات بقانون).

أحد عشر: المادة (31) من أغرب القضايا حيث تشير إلى “هيئة قضايا الدولة” وهي غير موجودة في فلسطين ولكن يبدو أنها موجودة في مصر. والتفسير الوحيد لوجودها هو في “نسخ” المادة عن مصر دون التحقق جيداً من مدى ملائمة النص مع ما هو موجود في فلسطين من هيئات ومؤسسات.

إثنا عشر: المادة (41) الفقرة (2) في غير مكانها حيث أنها جعلت من قرارات المحكمة منتجة للتعليق ولكن ذلك كما ذكرنا يحتاج لأن تقوم الجهة المصدرة للقرار بإلغاء أو تعديل النص المشوب بعدم الدستورية. وهو في غير مكانه إذ أن الدول التي تتبنى نظام الرقابة الدستورية على طريقتنا أتاحت لتلك المحكمة المتخصصة والمركزية بإلغاء التشريع المخالف للدستور بشكل مباشر.

ثلاث عشر: لا يوجد نص يشير إلى ضرورة نشر قرارات المحكمة الدستورية العليا في الجريدة الرسمية ونرى أن ذلك ضرورياً خاص إذا ما أخذ بمقترحنا بضرورة تعديل المادة 41 فقرة 2 بحيث أصبحت قرارات المحكمة لاغية للنص الذي تشوبه عدم الدستورية.

أربع عشر: لا توجد إشارة إلى وجود رقابة سابقة للمحكمة الدستورية على الاتفاقيات الدولية كشرط للمصادقة عليها. إذ لا يجوز المصادقة على اتفاقيات دولية ملزمة للدولة تكون مخالفة للدستور. فإما أن يتم تعديل الدستور أولا وإما أن يتم رفض الانضمام أو المصادقة على تلك الاتفاقية الدولية.

عاصم خليل، نشرت هذه #المدونة_الدستورية بالأساس في شهر نيسان 2015 على صفحة وحدة القانون الدستوري. علماً بأنه منذ ذلك التاريخ تم تعديل قانون المحكمة الدستورية العليا وتم تعيين قضاة المحكمة وصدرت العديد من القرارات عن تلك المحكمة وقد كانت موضوع منشورات لاحقة للمؤلف ننصح بالاطلاع عليها. وبالتالي وجب أخذ ما ورد في هذه المدونة على ضوء تلك التطورات وعلى ضوء تلك المنشورات.

تنويه: هذه #المدونة_الدستورية هو جهد شخصي للباحث هدفها تشجيع النقاش على #قضايا_دستورية_مقارنة وهي غير مدققة لغوياً أو محكمة والمعلومات الواردة فيها لم يتم توثيقها بموجب ما هو متعارف عليه. يرجى عدم الاقتباس أو الإحالة إلا بإذن شخصي من الباحث.

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s