مكانة الاتفاقيات الدولية – خبرات مقارنة (2018)

التحديث (1) بالأزرق: قمت بإضافة المدونتين التي نشرتها في نفس يوم المحاضرة، على ضوء التوتر الذي حدث أثناء النقاش مع ممثل وزارة الخارجية حول سياسة فلسطين في الإنضمام للاتفاقيات الدولية. 

ما هي مكانة الاتفاقيات الدولية في فلسطين على ضوء الخبرات المقارنة؟ (أهم النقاط التي تعرضت لها في ورشة عمل نظمها مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في فلسطين)

عاصم خليل 

2/8/2018

1) لا يوجد خلاف حول سمو القانون الدولي، بما في ذلك المعاهدات الدولية، على القانون الوطني من وجهة نظر القانون الدولي – الخلاف يبقى فقط من وجهة نظر القانون الوطني فقط. وبالتالي فإن القانون الدولي لحقوق الإنسان من وجهة نظر القانون الدولي يسمو دائماً على القوانين الوطنية.
2) الخلافات في الأنظمة الوطنية حول مكانة الاتفاقيات الدولية وليس على مكانة القانون الدولي بشكل عام. بمعنى آخر حتى الدول التي ترفض فكرة سمو الاتفاقيات الدولية على القانون الوطني، فهي تقبل سمو العرف الدولي دائماً. وبالتالي حتى في حال لم تصادق دولة على اتفاقية دولية، أو في حال صادقت ولكنها لم تمنحها مكانة تؤهل محاكمها انفاذ ما فيها، إلا أن ما هو عرفي في القانون الدولي لحقوق الإنسان واجب التطبيق.
3) إن القانون الدولي لحقوق الإنسان ملزم للدول بشقيه العرفي والتعاقدي. إلا أن ما يترك للأنظمة الوطنية هو تحديد الآليات المناسبة لعكس ذلك بموجب النهج الذي ترتأيه تلك الدول مناسباً باسم السيادة الوطنية. كما يترك للدول أيضاً باسم سيادتها الوطنية أن تختار الاتفاقيات التي تنوي المصادقة عليها – وعند المصادقة أن تقرر فيما إذا كانت ترغب بالتحفظ على بعض ما ورد فيها. وهذا لا ينتقص من قيمة ومكانة هذه الاتفاقيات ولكنه يؤثر في سريان تلك الاتفاقية أو مدى إلزامية ما ورد فيها في حال صدر حولها تحفظ من قبل الدولة المعنية.
4) تختلف الدول في طريقة تعاملها مع المعاهدات الدولية – فبعض الدول تتبنى نظام الوحدة بحيث تصبح الاتفاقيات الدولية التي تدخل حيز التنفيذ جزءا من النظام القانوني الوطني وأخرى تتبنى نظام الثنائي بحيث تبقى الاتفاقيات التزاما على الحكومات ولكنها لتصبح قانونا نافذا تحتاج لتدخل السلطة التشريعية من خلال تحويل محتواها إلى قانون وطني. إلا أننا في الحالتين – يجب القول –نتعامل مع اختلافات داخل الدولة الديمقراطية التي تقوم على مبدأ الفصل بين السلطات – وإن اختلفت عملياً في طريقة فهمها وتطبيقها للديمقراطية والفصل بين السلطات. فالأمر ليس ما هو أفضل بالمطلق وما هو أسوأ بالمطلق. بل بين ما هو قائم وموجود كإرث وثقافة قانونية وما هو ملائم لدولة وغير ملائم لدولة أخرى. وبالتالي فإن طريقة تعامل دولة مع المعاهدات الدولية لا ينشأ بموجب بجرة قلم، لا من نص دستوري أو من قرار لمحكمة دستورية.
5) بالنسبة للدول التي تقبل اعتبار الاتفاقيات الدولية المصادق عليها والتي تدخل حيز التنفيذ ضمن مصادر القانون الوطني أيضاً، فهناك اختلافات حول مكانة هذه الاتفاقية ضمن الهرمية التشريعية. إلا أن معظم الدول تعتبرها أعلى من القوانين الوطنية وأدنى من الدستور. وهذا يقتضي بالعادة تنظيم واضح لضمان عدم المصادقة على اتفاقيات مخالفة للدستور أو تعديل الدستور في حال وجود خلاف مع الاتفاقية الدولية قبل المصادقة عليها.
6) إلا أن هناك بعض الدول التي تعتبر الاتفاقيات الدولية بنفس مستوى القوانين الوطنية. في هذه الحالة، وبالإضافة للإجراءات اللازمة لضمان عدم تعارض الاتفاقيات مع الدستور، فإن القوانين الوطنية اللاحقة قادرة على تعديل ما ورد من حقوق في الاتفاقيات الدولية. وفي كل الأحوال، فإن الاتفاقيات الدولية هي جزء من الهرمية القانونية وتقع مسؤولية إنفاذها – ليس على المحكمة الدستورية أو ما في حكمها – بل على كافة المحاكم الوطنية. وفي هذه الحالة، مراجعة مكانة الاتفاقية كمصدر للحقوق هو اختصاص أصيل للمحكمة الوطنية بمختلف درجاتها وليس شأن المحكمة الدستورية أو من في حكمها. إلا أن دور المحكمة الدستورية هو في تحديد مدى دستورية الاتفاقيات والقوانين مقارنة مع الدستور. وبهذا فإنه يمكن للمحكمة الدستورية أن تجتهد باعتبار اتفاقية دولية مخالفة للدستور أو قانون مخالف للدستور. ولكن ليس من اختصاص المحكمة الدستورية أو من في حكمها الغاء قانون لمخالفته اتفاقية دولية أو الحكم بعدم انطباق اتفاقية دولية نتيجة تفسيرها لما ورد في الدستور.
7) عادة لا تعطي الدول مكانة للاتفاقيات الدولية تكون بنفس مستوى الدستور (الاستثناءات قليلة، ومن الأمثلة على تلك الدول الاستثنائية، هولندا). وإن فعلت فهي عملياً تضع إجراءات معقدة لتبني الاتفاقيات الدولية تشبه عملياً إجراءات وضع الدستوري الجديد. إلا أن بعض الدول (مثل البرازيل بعد 2004) ميزت بين المعاهدات الدولية معطية للاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان فقط مكانة دستورية. والباقي يكون له مكانة أقل.
٨) إن تحديد مكانة الاتفاقيات الدولية ضمن هرمية القوانين يمكن أن يفهم من نصوص الدستور أو من خلال اجتهادات المحاكم العليا والدستورية. فإما أن يرد النص صريحاً أو أن يكون مبهما لكن قرارات المحكمة توضحه لاحقاً. في فلسطين لا يوجد نص ولم تساعد المحكمة في تحديد مكانة الاتفاقيات الدولية ضمن الهرمية القانونية.
9) بغض النظر عن مكانة الاتفاقيات الدولية ضمن الهرمية القانونية، يمكن للمحاكم العليا والدستورية الاعتداد بالحقوق كما وردت في مصادر أخرى غير القوانين الوطنية بما في ذلك الاتفاقيات الدولية واجتهادات المحاكم الأخرى وذلك في سبيل التفسير لما ورد من حقوق في القوانين الوطنية. بل أن هذه العودة لمصادر أخرى للحقوق قد يتم الإشارة له بشكل صريح في النص الدستوري باعتبار الحقوق الأساسية لا يمكن حصرها بالدستور الوطني والقوانين الوطنية فقط.
10) إن حقوق الإنسان قد يكون لها مكانة مختلفة في الدستور بغض النظر عن مكانة الاتفاقيات الدولية نفسها. بل أن محتوى الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان هو الذي يحدد مكانتها وليس الشكل الذي صدرت من خلالها هذه الحقوق – على شكل اتفاقية دولية أم على شكل عرف دولي. وعليه، فإن الكثير من الدساتير نصت على سمو حقوق الإنسان صراحة أو من خلال اجتهادات محكمتها الدستورية أو من في حكمها. ويكون دور المحكمة في هذه الحالة إجراء التوازن بين هذه الحقوق الأساسية بشكل عام بما في ذلك تلك التي يكون أساسها أو أصلها خارجي عن الدولة نفسها. كما يكون هناك دور للمحكمة في تطبيق مبدأ التناسبية عند تحديد قيمة هذه الحقوق مقارنة مع الأهداف العامة الأخرى في الدولة.
11) وفي فلسطين، تشكل المادة 10(أ) المدخل لإنفاذ الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان وإعطائها قيمة دستورية حيث تشير إلى “حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ملزمة وواجبة الاحترام.” وذلك مباشرة قبل الإشارة إلى ضرورة أن: “تعمل السلطة الوطنية الفلسطينية دون إبطاء على الانضمام إلى الإعلانات والمواثيق الإقليمية والدولية التي تحمي حقوق الإنسان.” وبالتالي بغض النظر عن مصادقة فلسطين على هذه الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان وبغض النظر عن طريقة اعتبارها في النظام القانون الفلسطيني، وبغض النظر عن مكانتها ضمن الهرمية القانونية. والمحكمة في هذه الحالة تعطي مكانة مميزة لحقوق الإنسان، باعتبارها لها قيمة دستورية، ليس لكونها وردت في اتفاقية دولية وإنما بموجب النص الدستوري أعلاه والذي يعتبر حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ملزمة وواجبة التطبيق.

التحديث (1) بالأزرق: قمت بإضافة المدونتين التي نشرتها في نفس يوم المحاضرة (2/8/2018)، على ضوء التوتر الذي حدث أثناء النقاش مع ممثل وزارة الخارجية حول سياسة فلسطين في الإنضمام للاتفاقيات الدولية. أذكر أن أحد الأصدقاء تواصل معي وأخبرني عن انزعاج بعض الأصدقاء مما نشرت في المدونة الأولى وطلب مني أن أقوم بحذف المدونة الأولى أدناه. فرفضت طبعاً بل وقمت بإضافة المدونة الثانية. وددت مشاركتكم بها لعدة أسباب أهمها أنني ما زلت مقتنعاً بوجود إشكالية في عملية المصادقة على الاتفاقيات الدولية. 

المدونة (1):

ما زلت متوترا من النقاش الذي تم اليوم في فندق الكرمل حول مكانة الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان وبالتحديد ما تم تقديمه من قبل ممثل الخارجية الفلسطينية عند سؤاله حول من يقرر في أي الاتفاقيات التي يتم الانضمام لها ومن يقوم بالتنسيب للرئيس بخصوص ما يجب التحفظ عليه. فبعد الإشارة إلى أن القرار بالأول والآخر سياسي، من غير الواضح كيف يتم دراسة التداعيات الاقتصادية والقانونية والاجتماعية لهذا القرار السياسي (بالانضمام لاتفاقية معينة). كما أن هناك قناعة لدى الخارجية بأن كل شيء طبيعي وهذا الأخطر وبأنهم والحكومة خطوات متقدمة عن الشعب وأن المطلوب دور للمجتمع المدني للمساعدة في تغيير المجتمع.

الخلاصة المطلوب في فلسطين تغيير الشعب للحاق بالفكر التنويري لقيادتنا الحكيمة والخبراء في القانون الدولي في الخارجية الفلسطينية ومن يعمل معهم من مكتب دعم المفاوضات ومن سفرائنا المخضرمين الذين يرون بأن الانضمام الفلسطيني للاتفاقيات الدولية يعطي فلسطين آليات إضافية لملاحقة اسرائيل كدولة احتلال، دولة تمييز عنصري ودولة استعمارية.

السؤال كيف؟ الخبرة التاريخية عن جنوب افريقيا تشير إلى أن نهاية التمييز العنصري كان بمقاطعة تلك الدولة وليس في استخدام القانون الدولي وآلياته التعاقدية.

والسؤال الثاني، لماذا لا يتم إشراك الشعب وأنا منهم بما يشار له على أنه دراسات تم عملها كتحضير لهذه الخطوات الدبلوماسية وحول الآثار على فلسطين والفلسطينيين وعلى منظمة التحرير ومكتبها السياسي وتهميشه وتهميش المنظمة والعودة لها كلما كان ضرورياً فقط لأخذ شرعية لخطوات القيادة الفلسطينية الحكيمة.

المدونة (2):

سألني أحد طلبتي السابقين اليوم وهو مسؤول مهم في وزارة العدل: لماذا أنا مُستفَز؟ فنقاشي كان حادا وكنت عصبياً (وهذا أندم عليه) ولكنني لا أندم على كل كلمة قلتها اليوم:

فالمحكمة الدستورية العليا الفلسطينية تصدر قرارات متناقضة في فترات قياسية، ولا أجد مبررا لمعظم ما ورد فيها ويؤلمني جداً الاستخدام المجتزء لقراراتها لما يفيد القيادات والمسؤولين في الدولة الفلسطينية وبما يخدم أجنداتهم. ويؤلمني حالة الاستتفاه للناس ولآرائها فيما يتم.

كما يؤلمني أيضاً حالة الاستهتار بالقانون الأساسي والمرجعيات القانونية ودور المحاكم والقضاة والمحامين وفهمهم له ومكانتهم في تحديد مصادر القانون ومكانته واستخدام السياسة والدبلوماسية والمحاكم الدستورية والعليا لتحقيق أجندات محددة بطريقة فيها من البجاحة ما يجعلني أشعر برغبة في التقيأ.

نعم أنا مُستفَز جداً. مُستفز من الوضع الحالي ووضع البلد وكيف تدار.

أنا مستفز لأنني أشعر بالاهانة لتعامل الحكومة والقيادة ومؤسسات الدولة والقائمين عليها معنا على أننا غنم نحتاج أن نفهم أفضل ونقرأ أكثر ونتعلم أكثر ونتنور أكثر لنصل إلى الفهم الذي لديهم – هم الذين على معرفة بصعوبات العمل السياسي والدبلوماسي ومتطلباته لأنهم ممارسين وليسوا مثلنا أكاديميين ننتقد في سبيل النقد ولأننا منظرين.

نعم أنا مُستفز ممن يعتبر النقد للعمل الحكومي على أنه تعبير عن تنظير أكاديمي من شخص غير مطلع على حيثيات وتفاصيل لا يتم المشاركة بها أصلاً. ومُستفز من انكارهم للتاريخ حتى القريب منه.

ومُستفز من التعامل بفوقية مع الناس وكأنهم لا يفهمون.

ومُستفز من اعتبار الفكر التنويري خارجي والتعتيم والظلم والقهر والتمييز داخلي فينا.

ومُسفتز من الفكر التنويري والتخويني للمختلف.

الموضوع ليس فقط أطباع شخصية لا أخفيها على أحد (فأنا لا أمتلك هبة ضرورية ويجب أن أتعلمها وقد يكون من الصعب الآن تعلمها: التحكم بردود الفعل واتقان لغة الجسد والسيطرة على الصوت عند النقاش خاصة عندما أحتد.)

لكن هذا ثانوي. الموضوع مختلف. الأمر متعلق بالوضع العام بالبلد. هذا هو المستفز.

والأسوأ أن ننسى كل ما سبق على أنه ليس بالمهم. ويتحول الأمر إلى ضوررة اتقان اسلوب النقاش الراقي والهادئ.

أنا لم أتقن اسلوب النقاش الراقي اليوم لأنني مُستفز. ولا أريد أن أتقنه مع من يتعامل معي بفوقية معتبرا أي انتقاد له على أنه انتقاد مبني على عدم المعرفة أو الأسوأ عن عدم وجود خبرة عملية وأنما تنظير وانتقاد غير بناء في سبيل النقد.

سأعود لعملي وسيعود لعمله كما كان سابقاً ونصيحتي لن تصله لأنه أبى أن يسمع: قلت له وأكررها الآن: استمع للناس وللمختلفين عنكم، وللمختلفين معكم، حول ما تقومون به. حافظوا على رأيكم بعد ذلك إن ارتأيت. لكن لا تغلق نفسك وأذنيك عن المختلف ولا تستمع لمن يتفق معك فقط ومع توجهاتك ومع سياساتك وخطواتك الدبلوماسية.

كلي أمل في الجيل الثاني من الشباب – الكثير منهم من طلبتي. على أن يجرأوا في الوقت والمكان المناسب لقول كلمة حق بالرغم مما قد يواجهونه من رفض القيادة الفلسطينية للاستماع لهم.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s