مكانة الاتفاقيات الدولية بحسب ما ورد في الرأي التفسيري للمحكمة الدستورية العليا الفلسطينية

#سؤال_و_جواب

ما رأيك بما ورد في رأي المحكم الدستورية العليا التفسيري للعام 2018 والذي اعتبرت فيه الاتفاقيات الدولية أعلى مرتبة من التشريعات العادية وأقل مرتبة من القانون الأساسي شريطة نشرها في الجريدة الرسمية؟ ما هي الآثار المترتبة عن ذلك؟

عاصم خليل  4/8/2018

عندي أربع مداخل على هذا السؤال. وفي كل واحد فيها أجد مشكلة سأشير لها.

أولاً، بالرغم من عدم وجود نص دستوري يدعم ذلك، إلا أن المحكمة اجتهدت لتضيف لمصادر القانون في فلسطين وهو الاتفاقيات الدولية – وهو ما يفسر اشتراطها للنشر في الجريدة الرسمية. وبالتالي فإن المحكمة بحسب هذا الرأي التفسيري ترى بأنه على المحاكم عند النظر في نزاع معين، أن تطبق الاتفاقيات الدولية (المنشورة في الجريدة الرسمية) مباشرة على النزاع القائم أمامها. وبهذا فإن الرأي التفسيري تجاوز أهدافه الأساسية لتفسير القانون الأساسي ليستحدث قاعدة دستوية جديدة لا يمكن تدعيمها بنصوص القانون الأساسي الفلسطيني نفسه من جهة بل يوجد فيه تعدي على سلطة المشرع الفلسطيني.

ثانياً، القرار لا يكتفي باعتبار الاتفاقيات كأحد مصادر القانون وإنما أعطى الاتفاقيات (حال نشرها في الجريدة الرسمية) مكانة أعلى من التشريعات العادية واقل مرتبة من القانون الأساسي – وهو في ذاته خيار دستوري اختلفت الدول عليه ولكنه ينسجم مع الكثير من الدول (معظمها) والتي تضع الاتفاقيات الدولية (كما هو الحال في معظم الدول اللاتينية) ضمن مصادر القانون وبالهرمية الواردة هنا. المشكلة في هذا أن المحكمة حلت محل الهيئة التأسيسية في استحداثها لقاعدة دستورية جديدة مرة أخرى – ليس فقط لاعتبار الاتفاقيات الدولية جزء من مصادر القانون بل لاعتبارها بأنها تعلو عن التشريعات العادية. بمعنى آخر في حال أي تناقض بين قانون وقرار بقانون ساري واتفاقية دولية من المفروض على المحاكم الوطنية عند النظر في نزاع أن تمتنع عن تطبيق القاعدة الأدنى (الواردة في القوانين والقرارات بقوانين) وتطبيق القاعدة الأسمى (الواردة في الاتفاقية الدولية).

ثالثا، وإن كنا كحقوقيين وكمنظمات حقوق إنسان نرى بأن الرأي التفسيري (بالرغم من عدم وجود ما يبرره وبالرغم من عدم وجود أساسات لما تم من قبل المحكمة من استغلال للرأي التفسيري كما ذكر لاستحداث قاعدتين دستوريتين جديدتين وغير مبررتين) مفيد لضمان تنفيذ الاتفاقيات متعددة الاطراف وخاصة تلك المرتبطة بالقانون الدولي بحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، إلا أن هذه القاعدة سيف ذو حدين حيث أنها لا تميز بين الاتفاقيات الدولية متعددة الأطراف وخاصة المرتبطة بحقوق الإنسان وحرياته، وتلك بين دولتين. وبحسب هذه القاعدة الدستورية الجديدة فإن أي اتفاقية دولية يتم نشرها ستكون أعلى مرتبة من التشريعات الوطنية. ففي حال تم نشر اتفاقية باريس الاقتصادية أو أي اتفاقية جديدة يمكن أن تعقد بين دولة فلسطين ودولة اسرائيل مثلاً فهي ستكون بحكم هذه القاعدة الدستورية نفسها أعلى من التشريعات الوطنية.

رابعاً، اعتبار الاتفاقيات الدولية أقل مرتبة من الدستور في كثير من الدول التي تتبنى هذا الموقف يقتضي وجود آلية للرقابة (السابقة) على دستورية الاتفاقية التي تنوي الدولة المعنية المصادقة عليها وذلك كإحدى الخطوات اللازمة للمصادقة أو الانضمام. فإما أن تعتبر المحكمة الدستورية أو ما في حكمها أن الاتفاقية الدولية منسجمة مع الدستور وبالتالي يفتح المجال للسلطة التنفيذية بالمضي قدماً في إجراءات المصادقة أو الانضمام وإما أن تعتبرها مخالفة للدستور وبالتالي إما أن تمتنع السلطة التنفيذية عن المصادقة وإما أن تعدل الدستور. وفي الحالة الفلسطينية لا يوجد رقابة سابقة. وبالتالي هذه القاعدة – سمو القانون الاساسي على الاتفاقيات الدولية – لن يكون عائقا لتبنى اتفاقية دولية مخالفة للقانون الأساسي. أما في حال المصادقة على اتفاقية دولية أو الانضمام فإنه لا يمكن للمحكمة الدستورية أن تقوم بمراجعة دستورية الاتفاقية الدولية لأنها ليست من بين ما يمكن للمحكمة مراجعته. وبالتالي لا يمكن التحقق من الدستورية قبل المصادقة / الانضمام ولا يمكن التحقق بعد ذلك. وهذا فيه إشكالية ويجعل سمو القانون الاساسي عملياً بلا آلية للانفاذ.

عاصم خليل، مكانة الاتفاقيات الدولية بحسب ما ورد في الرأي التفسيري للمحكمة الدستورية العليا الفلسطينية، مدونة، 4/8/2018. 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s