هل يمكن للمحكمة الدستورية العليا الفلسطينية أن تقرر مكانة الاتفاقيات الدولية في النظام القانوني الفلسطيني؟

هل يمكن للمحكمة الدستورية العليا الفلسطينية أن تقرر مكانة الاتفاقيات الدولية في النظام القانوني الفلسطيني؟

عاصم خليل

20/8/2018

تعرضت المحكمة الدستورية في أحد قراراتها (في العام 2017) وفي قرار تفسيري (في العام 2018) لمكانة الاتفاقيات الدولية وتبنت مواقفا متناقضة في القرارين. ولكن هذا ليس موضوع هذا السؤال. السؤال هنا مختلف: هل المحكمة الدستورية العليا هي الجهة المختصة بتحديد مكانة الاتفاقيات الدولية؟

وجوابي هو التالي:

من وجهة نظر القانون الدولي، لا دور للمحكمة الدستورية العليا حيث أن مكانة الاتفاقيات الدولية كمصدر من مصارد القانون الدولي أمر مفروغ منه ومكانته وعلاقته مع العرف الدولي وإمكانية التعارض بينهما فيما عدا ما يعتبر من القواعد الآمر، هو أيضاً أمر متفق عليه ومنظم وهو ليس موضوع السؤال أصلاً. كذلك الأمر بالنسبة لسمو قواعد القانون الدولي على القوانين الوطنية – فهذا أيضاً أمر مفروغ منه.

السؤال هنا هو حول مكانة الاتفاقيات الدولية ضمن مصادر القانون الوطني. فمن الذي يقرر ذلك؟ قد نختلف حول تحديد مكانة الاتفاقيات الدولية كما قد يكون هناك وجهات نظر مختلفة حول الجهة التي تحدد ذلك. ولكنني أقترح هنا بأنه، وانطلاقا من الخبرات الدستورية المقارنة، لا يمكن إلا الاستنتاج بأن هذه الجهة لا يمكن أن تكون المحكمة الدستورية العليا. أدناه السبب.

إن الدساتير بالعادة تحدد مصادر القانون وتحدد مكانتها وبالتحديد مكانة الاتفاقيات الدولية ضمن مصادر القانون. وفي الحالة الفلسطينية، لا يوجد إشارة صريحة للاتفاقيات الدولية ومكانتها. ولكن هذا لا يعني بأن القانون الأساسي لم يحدد مصادر القانون. ففه وجدت إشارة صريحة لكيفية صنع القانون من خلال المجلس التشريعي أو القرار بقانون من خلال الرئيس. وبالتالي، فإن القانون الأساسي، على الأقل ضمنيا، يعتبر القانون الصادر عن المجلس التشريعي والقرار بقانون على أنه المصدر الأساسي للقواعد القانونية التي تطبقها المحاكم. وبالتالي لا يمكننا إلا الاستنتاج بأنه في حال أن أي جهة كانت اعتبرت الاتفاقيات الدولية على أنها من مصادر القانون في فلسطين، فإن ذلك يعني عملياً استحداث قاعدة دستورية جديدة تعدل ما ورد في القانون الأساسي. واختصاص تعديل القانون الأساسي هو من اختصاص السلطة التأسيسية أو المعدلة، وليس هذا دور المحاكم، أي محكمة.

ومع ذلك، فإن عدم الإشارة للاتفاقيات الدولية من جهة ومصادقة فلسطين على عدة اتفاقيات دولية تضع على عاتقها التزامات بموجب القانون الدولي، يجعل من الضروري لجهة معينة أن تقرر فيما إذا كانت القواعد الواردة في الاتفاقيات الدولية تطبق في فلسطين وبالتالي إمكانية تطبيقها في حال تعارضها مع قوانين سارية في فلسطين.

إن الجهة المختصة بتحديد القواعد القانونية المطبقة في النزاعات القائمة أمامها في ظل تنازع القوانين، هي المحاكم نفسها (بأنواعها). فهي التي تقرر مثلاً في سريان قانون معين على النزاع القائم وبالتالي هي التي يطلب منها في حال التناقض بين قاعدتين واردتين في اتفاقية دولية من جهة وقانون عادي من جهة أخرى، لتقرر أي من القاعدتين ستطبق (مع التبرير). وتحت رقابة محكمة الاستئناف والمحكمة العليا. ومحكمة العدل العليا هي المختصة بتحديد مكانة الاتفاقيات الدولية في حال النزاعات الإدارية.

وفي كل الأحوال لا يمكن الاستنتاج أو الاجتهاد باعطاء المحكمة الدستورية العليا، اختصاصا لم يرد فيه نص صريح أو اختصاص يمكن الاستنتاج بوجوده ضمنيا لها. فالمحكمة الدستورية العليا ليس من بين اختصاصاتها استحداث قواعد دستورية جديدة من شأنها تعديل القانون الأساسي الفلسطيني – كما يبدو أنها فعلت وكما اعترف رئيس المحكمة في محاضرته قبل أشهر في جامعة النجاح بأنه فعل. كما أنه ليس من اختصاصها التدخل في عمل المحاكم المسؤولة وحدها على تحديد مكانة القواعد المختلفة ذات العلاقة بالنزاع القائم أمامها وتحديد هرميتها وعلاقاتها ببعضها البعض.

الخلاصة: أخطأت المحكمة الدستورية عندما تدخلت فيما هو شأن السلطة الدستورية التأسيسية أو المعدلة باستحداث قاعدة دستورية جديدة مفادها سمو الاتفاقيات الدولية على القوانين الوطنية. كما أخطأت في النظر في هذا الأمر بالأساس فهذا اختصاص المحاكم الوطنية المختلفة أثناء النظر في النزاعات القائمة أمامها.

يسألني الزملاء بالعادة – ومنهم محامون أصدقاء – ما العمل الآن وقد قررت المحكمة في هذا الأمر وقراراتها ملزمة، أليس كذلك؟ بمعنى آخر هم يسألون ما يلي:

“هل نحن ملزمون كمحاكم ومحامين بما قررته المحكمة الدستورية العليا من حيث مكانة الاتفاقيات الدولية؟”

الجواب على هذا السؤال سيكون في مداخلة لاحقة في المستقبل القريب.

للتوثيق: عاصم خليل، هل يمكن للمحكمة الدستورية العليا الفلسطينية أن تقرر مكانة الاتفاقيات الدولية في النظام القانوني الفلسطيني؟، مدونة، 20/8/2018. 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s