الرقابة على دستورية الاتفاقيات الدولية في فلسطين

هل يجوز للمحكمة الدستورية العليا الرقابة على دستورية الاتفاقيات الدولية؟ وكيف نضمن الانسجام بين الاتفاقيات الدولية والقانون الأساسي؟

عاصم خليل

24/8/2018

إن الخبرات الدستورية المقارنة للدول التي تعطي مكانة للاتفاقيات الدولية ضمن النظام القانوني (بالعادة مكانة تعلو عن التشريعات الوطنية في مستوى أدنى من الدستور المكتوب، كما هو الحال في فلسطين) تعطي للمحكمة الدستورية أو ما في حكمها اختصاص الرقابة على دستورية الاتفاقيات الدولية وذلك ضمن الإجراءات اللازمة للمصادقة على الاتفاقيات الدولية – أي تكون عملية الرقابة سابقة لمصادقة الدولة أو لانضمامها للاتفاقية الدولية. وفي حال قررت المحكمة الدستورية (أو ما في حكمها) بأن الاتفاقية الدولية مخالفة للدستور، لا يجوز للحكومة المصادقة عليها، إلا إذا تم تعديل الدستور. وهذا ما تم في كثير من الحالات – حيث تم تعديل الدستور لتتمكن الحكومة من الانضمام للاتفاقية الدولية المتناقضة معها. هذا ما حدث في فرنسا في أكثر من مناسبة وفي ألمانيا أيضاً. فالقضية قضية انسجام قانوني داخلي يعطي معنى لسمو الدستور حتى على الاتفاقيات الدولية.

أما في حال المصادقة على الاتفاقية الدولية، في الدول التي تعتمد الوحدانية في التعامل مع الاتفاقيات الدولية، فهذه الاتفاقيات الدولية تكون سارية ويفترض انسجامها مع الدستور كونها مرت بإجراءات الرقابة السابقة. وبعكس القوانين الوطنية التي يمكن إبطالها بسبب عيب عدم الدستورية فإن الاتفاقيات الدولية التي مرت بالإجراءات الوطنية اللازمة للمصادقة تكون سارية ولا يجوز إلغاؤها لاحقا. وتكون بهذا الاتفاقية الدولية ملزمة لكافة المحاكم الوطنية وتطبق مباشرة من خلالها وفي حال التناقض بين اتفاقية دولية وقانون وطني، تطبق المحكمة الوطنية القواعد الواردة في الاتفاقية الدولية ولا تطبق القواعد الواردة في القانون الوطني كونها قواعد أسمى.

أما في فلسطين، فلا توجد رقابة سابقة على الاتفاقيات الدولية قبل المصادقة عليها. في الوقت الذي تشير فيه المحكمة الدستورية العليا في رأيها التفسيري أن الاتفاقيات الدولية أدنى مرتبة من الدستور وأعلى من التشريعات الوطنية. وهذا يعني بأنه من الممكن تبني اتفاقيات الدولية تكون مخالفة للقانون الأساسي دون أن يكون لدينا آلية لضمان سمو القانون الأساسي.

المشكلة أيضاً إلى أنه لا يوجد إمكانية للرقابة اللاحقة على الاتفاقيات الدولية حيث لم يرد هذا الاختصاص بشكل صريح. إلا إذا تم التعامل مع الاتفاقيات الدولية على أنها تشريعات – وهي ليست كذلك. فبحسب القانون الأساسي يكون اختصاص المحكمة الدستورية العليا الرقابة على القوانين واللوائح والأنظمة و”غيرها” – وغيرها هنا تشير، بموجب قاعدة النوع الواحد، إلى تشريعات وطنية، وليس لاتفاقيات الدولية.

بمعنى آخر الطريقة الوحيدة ليكون للمحكمة الدستورية العليا اختصاص الرقابة اللاحقة على الاتفاقيات الدولية هو تحويلها لتشريع وطني – مثلا عن طريق قانون أو قرار بقانون وبالتالي تخضع بصفتها تشريع وطني للرقابة الدستورية اللاحقة. ولكن حتى في هذه الحالة، هناك مشكلتنا: المشكلة الأولى بأن قيمة الاتفاقية تصبح من قيمة التشريع الصادرة بموجبه – وبالتالي تعدل بقانون أو بقرار بقانون لاحق، ولا تكون بذلك أسمى من التشريعات الوطنية كما ورد في القرار التفسيري للمحكمة الدستورية العليا. المشكلة الثانية هو أن صفة الإلزام للاتفاقية الدولية تبقى على حالها في النظام القانوني ولا تتأثر بقرار الإبطال بسبب عيب عدم الدستورية والذي يطال في هذه الحالة التشريع الذي أصدرت الاتفاقية من خلالها وليس الاتفاقية نفسها. وبالتالي هذا لا ينهي المشكلة بل يزيدها تعقيداً.

الخلاصة: المحكمة الدستورية العليا في فلسطين لا تملك اختصاص الرقابة السابقة على الاتفاقية الدولية كإجراء سابق للمصادقة أو للانضمام لاتفاقية دولية كما أنها لا تملك اختصاص الرقابة اللاحقة أيضاً. إلا إذا تم تحويل الاتفاقية الدولية وإصدارها كقانون أو كقرار بقانون. وفي هذه الحالة تكون عملية الرقابة على التشريع الوطني وليس على الاتفاقية الدولية نفسها.

للتوثيق:

عاصم خليل، الرقابة على دستورية الاتفاقيات الدولية في فلسطين، مدونة، 24/8/2018. 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s