الحقوق الطبيعية ودور الحكومة في تنظيمها

كنت قد كتبت ما ورد أدناه قبل عدة سنوات محاولا أن أستفيد من فكر جون لوك حول الحقوق الطبيعية؛ لاقوم باخضاع القرار بقانون بشأن الضمان الاجتماعي (والذي تم تعليق العمل به لاحقاً لاصداره نتيجة مظاهرات شعبية واسعة) لامتحان المشروعية بناء على النظام الليبرالية على طريقة لوك. وأعتقد أن المداخل لفحص مشروعية ذلك القرار بقانون يمكن أن تشكل مدخلا لفحص مشروعية الكثير من القرارات بقوانين التي صدرت وما زالت عن السلطة الفلسطينية وبالتحديد بعد 2007.

 

جون لوك والقرار بقانون بشأن الضمان الاجتماعي

العنوان غريب ولكن المقصود هو الاستفادة من فكر جون لوك بخصوص الحق في الملكية لنقاش مدى مشروعية القرار بقانون بشأن الضمان الاجتماعي.

يعتبر جون لوك الحق في الحياة والحرية والملكية على أنها حقوق طبيعية – وبالتالي تتميز عن غيرها من الحقوق بأنها غير قابلة للتصرف من قبل الشخص نفسه أو من قبل الآخرين.

ويدخل ضمن الحق في الملكية الحيازة الذاتية لثمار العمل أيضاً. (أنظر المحاضرة للبروفسور ساندرز من جامعة هارفرد بخصوص جون لوك والحقوق الطبيعية الثلاث ودور الحكومة في تنظيم تلك الحقوق).

وحيث أن الانسان غير موجود في حالة الطبيعة بل ضمن مجتمع منظم، فإن جون لوك فكرة في موضوع العقد الاجتماعي والموافقة على أنها أساس الحكومة المشروعة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل تستطيع الحكومة الشرعية أن تتصرف بالحقوق الطبيعية الثلاث الموجودة قبل الحكومة وقبل الدولة؟

يرى لوك بأن من شأن الحكومة تعريف هذه الحقوق وتحديد مداها وطريقة تطبيقها ولكنها لا تستطيع أن تحرم الأشخاص من أي منها. وهنا القضية الإشكالية. هل تحتاج الحكومة لموافقة المعنيين للقيام بدورها كحكومة؟ الجواب بالنسبة للوك يبدو أنه يأتي بالنفي. إن عدم وجود موافقة شخصية من قبل الأشخاص المعنيين لا يعني بأن الحكومة تكون يدها مطلقة في التصرف بهذه الحقوق. بل يجب بحسب لوك أن يكون هذا التنظيم الحكومي للحقوق الطبيعية “غير تعسفي”. وهو ما يفسر على سبيل المثال كيف أن معظم الأنظمة القانونية تفرض أن يكون تقييد الحريات من خلال قانون العقوبات أو فرض عقوبة الإعدام أو فرض ضرائب من خلال قانون صادرة عن ممثلي الشعب. علماً بأن مؤسسة البرلمان ولدت في بريطانيا تطبيقاً للمبدأ الشهير أن لا ضرائب بلا تمثيل.

وتطبيقاً على القرار بقانون بشأن الضمان الاجتماعي، يمكن القول بأنه يمكن لحكومة شرعية التصرف بما يعتبر جزء من الحق الطبيعي في الملكية (التصرف بثمار العمل) شريطة ألا يكون تعسفياً (فلنضع جانباً أي شكوك من حيث مشروعية السلطة الفلسطينية بقيادتها الحالية ووضعها الراهن ولنفترض لغايات جدلية بأن الحكومة الفلسطينية الحالية (بالمعنى الواسع) حكومة شرعية). لكن كيف يمكن قياس مدى اعتبار القرار بقانون بشأن الضمان الاجتماعي هو عمل حكومي غير تعسفي؟

وهناك ثلاث مداخل لقياس مدى مشروعية تنظيم الضمان الاجتماعي من خلال القرار بقانون ومدى كونها غير تعسفية (كشرط أساسي لمشروعيتها بحسب ما استفدناه من أفكار جون لوك):

  • “التمثيل” في الحكومة هو أساس لمشروعية أفعالها وبالتالي صدور التنظيم للضمان الاجتماعي من خلال “قانون” صادر عن مؤسسة منتخبة من الشعب تكون مسؤوليتها الأساسية التشريع (في الحالة الفلسطينية، من خلال المجلس التشريعي الفلسطيني) يجعل من هذا التنظيم للوهلة الأولى غير تعسفي. وهو ما لم يتم في حال القرار بقانون بشأن الضمان الاجتماعي.
  • في حال وجود حالة من “الضرورة” التي لا تحتمل التأخير يعطي القانون الأساسي استثناءً مسؤولية التشريع لرئيس السلطة. ومن حيث الجوهر فإن وجود حالة من الضرورة لا تحتمل التأخير يعني وجود حاجة مجتمعية أو حاجة حكومية يكون أي تأخير في تنظيمها من خلال قرار بقانون أسوء من إبقاء الوضع على ما هو عليه. وبناء على الاعتراضات الشعبية ومن خلال مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص والنقابات فإن الحاجة المجتمعية لا يمكن أن افتراض وجودها. كما أن مجلس الوزراء لم يظهر في أي مرحلة من المراحل بأن هناك حاجة حكومية طارئة تقتضي هذا التنظيم الجديد مقابل الوضع القائم سابقاً. بل أن الحكومة وافقت على تأجيل تنفيذ القرار بقانون – وهو يظهر بما لا يقبل الشك بأن ليس هناك حاجة حكومية أيضاً. وبالتالي صدور القرار بقانون من خلال تشريع استثنائي (القرار بقانون) لا يمكن اعتباره “غير تعسفي”.
  • المدخل الثالث وبغض النظر عن المدخلين السابقين، فهو ينطلق من “محتوى التشريع” باعتباره تعسفيا كونه ينتقص من الحق الطبيعي في الملكية – وذلك من خلال الانتقاص من الحقوق المكتسبة للتمتع بثمار العمل، مقارنة بين الوضع القائم.

هذا يعني بأن القرار بقانون يسقط في امتحان المشروعية كونه تعسفياً إنطلاقاً من المداخل الثلاث الممكنة (التمثيل، الضرورة، ومحتوى التشريع). وعليه يمكن الاستنتاج وتطبيقاً لأفكار جون لوك حول الحق في الملكية على أنه حق طبيعي غير قابل للتصرف بأن القرار بقانون بشأن الضمان الاجتماعي تعسفياً وبالتالي يفتقد للمشروعية.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s