ماذا تبقى من القانون الأساسي (2020)

القانون الأساسي وإشكاليات الدستور المكتوب مقارنة مع الواقع الدستوري وتطوراته

د. عاصم خليل

سأجيب على أربع أسئلة قبل الرد على السؤال الرئيسي: ماذا تبقى من القانون الأساسي. والأسئلة هي: هل القانون الأساسي ملزم، كما هو ملزم أي دستور مكتوب؟ هل القانون الأساسي هو المرجعية الوحيدة لامتحان “الدستورية”؟ هل المحكمة الدستورية هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن ضمان احترام القانون الأساسي أو التزام مؤسسات الدولة بالدستور المكتوب؟ هل الطوارئ تعليق للدستور المكتوب؟

هل القانون الأساسي ملزم، كما هو ملزم أي دستور مكتوب؟ –

الجواب الأولي هو: نعم. ومكانته مثل مكانة أي دستور مكتوب موحد في دولة تعتمد نظام القانون القاري أو القانون المدني.

1- من الضرروري أولا أن نأخذ بعين الاعتبار كيف وصلنا لهذه الحالة. كان مفروض أن يكون القانون الأساسي مؤقت إلى حين تبني دستور الدولة. وكونه مؤقت لا ينتقص من قيمته كدستور مكتوب ما دام لم يتم تبني دستور للدولة.

2- الالتزام بمبادئ الدسترة أو الدستورانية سبقت الدستور المكتوب بل جاء الدستور المكتوب ليعبر عنها بوضوح ومن ذلك الالتزام بالفصل بين السلطات، الالتزام بحكم القانون، والالتزام بحقوق الإنسان وحرياته. وهناك أمثلة كثيرة على ذلك منها مثلا الالتزام بالفصل بين السلطات بالرغم من أن القانون الأساسي دخل حيز التنفيذ في العام 2002، وإجراءات منح الثقة والمساءلة للحكومة. كما انعكست في الاتفاق على استحداث منصب رئيس الوزراء وتعديل القانون الأساسي لاحقا للاتفاق حول تغيير النظام السياسي كخطوة من خطوات الإصلاح. كما يعبر عن ذلك الالتزام بالتداول السلمي للسلطة بعد وفاة الرئيس عرفات وتعديل القانون الأساسي لعكس التوافق على أن تكون الانتخابات دورية كل 4 سنوات بما في ذلك للسماح بمشاركة حماس بالانتخابات. أما ما حصل بعد ذلك فهو موضوع آخر.

3- أما وضعها في الدستور المكتوب فهو يجعل الدسترة وثائقية – بمعنى أننا نتبنى الدسترة والدستورانية من خلال النص وإن لم يتبع ذلك بالضرورة الالتزام بتبعات تلك المبادئ.

4- لكن حتى في الحالات التي تمت فيها مخالفة القانون الأساسي فإن ذلك كان يتم بالاشارة للقانون الاساسي نفسه أو الاستفادة من الثغرات الموجودة فيه أو بوضع تفسير من قبل السلطات العامة لبعض ما ورد فيه. يعني بكلمات أخرى حتى في مخالفة القانون الاساسي يتم التأكيد على سموه.

-هل القانون الأساسي هو المرجعية الوحيدة لامتحان “الدستورية”؟

لا هناك مصادر أخرى. والمقصود بمصادر أخرى استخدام النص الدستوري نفسه بطريقة تؤهلنا للعودة لمصادر أخرى يتيحها الدستور مثلا ديباجة الدستور بقرار من المحكمة الدستورية بتفسيرها له أو إعلانات سابقة. وعندما يشار للدستورية بهذا المعنى فهذا لا يعني بأن المحكمة تستحدث دستور جديد يسمو على الدستور المكتوب. وبهذا لا معنى لقرار اعتبار اعلان الاستقلال أسمى من القانون الأساسي. فالمقصود بالرقابة الدستورية هو ليس اهمال النص المكتوب أو تجاوزه وإنما قرائته على ضوء مصادر القانون الدستوري بشكل كامل.

1- التمييز بين الدستور المكتوب والدستور المادي. فسمو الدستور المكتوب حقيقة بمعنى أن ذلك ما يعطي المكانة الخاصة للرقابة الدستورية في فلسطين. من دون سمو الدستور المكتوب لا معنى للرقابة الدستورية على القوانين.

2- لكن مرجعية القضاة ليست بالنص نفسه خاصة لأن القانون الأساسي فيه ثغرات بمعنى أنه لم ينظم الكثير من القضايا التي تنظمها الدساتير عادة. مثلا موضوع المواطنة. مثلا طريقة تعيين رئيس الوزراء. مثلا علاقة الرئيس برئيس الوزراء وطريقة صنع القرار في السلطة التنفيذية. وهكذا.

3- لكن هذا لا يعني بأن القاضي الدستوري يتحول لمشرع دستوري. استحداث قواعد دستورية يقتضي تبني قانون دستوري معدل للقانون الأساسي. على سبيل المثال. هناك فرق أن تستنتج المحكمة مكانة الاتفاقيات الدولية على ضوء ما وجد في القانون الأساسي من جهة – وهو ما لم يتم – وبدلا من ذلك تستحدث قاعدة دستورية مفادها سمو القانون الدولي على القانون الوطني أولاً من خلال قرار ومن ثم في التفسير تم الحديث عن سمو الاتفاقيات الدولية على القانون الوطني شريطة نشره في الجريدة الرسمية مثلاً وبأن الاتفاقيات تقل مكانتها عن القانون الأساسي في الوقت الذي لا يوجد ما يبيح للمحكمة الرقابة السابقة على الاتفاقيات قبل المصادقة عليها أو الانضمام لها كما لا توجد إمكانية للرقابة على دستورية الاتفاقيات نفسها بعد نشرها في الجريدة الرسمية. كما ليس من اختصاص المحكة وضع تحفظات على تطبيق الاتفاقيات الدولية. والدول التي تبيح ذلك تقوم أولاً بالنص على ذلك في الدستور (مثلا في المغرب) وتعبر عن ذلك عند المصادقة أو الانضمام من خلال آلية التحفظ. وليس من خلال المحكمة الدستورية.

هل المحكمة الدستورية هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن ضمان احترام القانون الأساسي أو التزام مؤسسات الدولة بالدستور المكتوب؟ لا.

1- هذا خطأ شائع باعتبار المحكمة الدستورية فوق السلطات المؤسَّسة بالدستور. المحكمة الدستورية لا تحل محل سلطات الدولة الأخرى المسؤولة عن تطبيق الدستور وإنفاذه. وبالتالي فإن صلاحية تطبيق القانون الأساسي هي أولا لسلطات الدولة الثلاث وأجهزتها الرئيسية (السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية) وفقط للمحكمة الدستوري للرقابة على احترام سلطات الدولة للدستور.

2- بهذا المعنى فإن دور المحكمة الدستورية هو أكثر منه الحكم فيما يعنيه الدستور بالحقيقة حيث أن ذلك هو اختصاص سلطات الدولة. اختصاص المحكمة هي أن تقوم second guess. بمعنى إنها “تتحزر” للمرة الثانية حول ذلك بناء على طلب من جهة مختصة. على سبيل المثال. اختصاص رئيس الدولة في حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير هو اختصاص لرئيس الدولة وليس للمحكمة. ولكن المحكمة لها اختصاص رقابي على سلطة الرئيس الأولى والأساسية بتحديد فيما إذا كانت هناك حالة ضرورة لا تحتمل التأخير وقد تصل لاستنتاجات مختلفة – ولكن فقط لكونها second guess وليس ذات سلطات تقريرية متى تتوفر حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير. وهناك امثلة كثيرة غيرها.

هل الطوارئ تعليق للدستور المكتوب؟ نعم. مع توضيح.

فكرة التعليق شاملة لمشروعية الإجراءات المتخذة بحيث يصبح أي تدابير تتخذها الحكومة في ظل حالة الطوارئ هي كاشفة لحقيقة تعليق العمل بالقانون الأساسي (ما عدا الفصل السابع منه). لكن هناك ممارسة بالنص صراحة على تعليق بعض المواد من القانون الأساسي خلال فترة الطوارئ الاولى والثانية. وممارسة جديدة مفادها تبني قرارات بقانون لتنظيم حالة الطوارئ. هذه كلها تدابير كاشفة لحقيقة مفادها أن حالة الطوارئ تعليق العمل بالقانون الاساسي بالقدر الكافي لتحقيق غايات حالة الطوارئ.

هذا لا يعني بأن السلطات مطلقة للسلطة التنفيذية. ولكن يعني بأن سلطة الرقابة للمحكمة (الدستورية أو الإدارية أو غيرها) ينطلق من إطار الطوارئ وبالتالي طريقة فحص التناسبية بالإجراء مع الغايات المتوخاة من حالة الطوارئ ستكون مختلفة ولكنها تحت رقابة المحاكم وبقرارها من حيث المناسبة.

على ضوء ما يحدث ماذا تبقى من القانون الأساسي؟

هناك طريقتان للنظر للموضوع. التركيز على المخالفات للقانون الأساسي وهي كثيرة. ولكن مخالفة القانون الاساسي لا تؤثر بمعيارية القواعد الدستورية والزاميتها فهذا ليس كباقي القواعد أو الجمل – مثلاً بأن كافة الكراسي في البيت لونها أسود. هذه الجملة تكون خاطئة لو وجدنا كرسي واحد أبيض. أما القواعد القانونية والدستورية فلا تتأثر قيمتها المعيارية بمخالفتها. “ممنوع السرقة” تبقى قاعدة ملزمة لو وجد هناك 100 سراق. مدة الطوارئ هي 30 يوم قابلة للتمديد بموافقة المجلس التشريعي ل30 يوم تبقى ملزمة حتى لو تمت مخالفتها من قبل الرئيس والحكومة.

وعليه، هل ما وجد في القانون الأساسي ما زال مرجعية السلطات العامة؟ أعتقد وبالرغم من المخالفة الضمنية للقانون الاساسي باستحداث حالة جديدة من التجديد المستمر لحالة الطوارئ فإن هذا يخالف جوهر التقييد بالتحايل على النص. لكن السؤال يبقى التالي: لماذا ترتأي الحكومة مثلاً أو الرئيس أو مكتب المستشار القانوني بأنه من الضروري أن يتم استخدام “تجديد” حالة الطوارئ وينتظر يوم بعد آخر تمديد للطوارئ ويعلنها من جديد؟ لو أن ما وجد في القانون الأساسي مش مهم لهم لما قاموا بهذا التحايل: يبدو واضحاً بأنهم يعلمون بسمو القانون الأساسي وبالزامية ما ورد فيه وبالتالي هذه الإجراءات تهدف عملياً لتجنب المخالفة الصريحة للقانون الأساسي من خلال مثل هذه الآلية. ولكنهم عندما يقومون بذلك يؤكدون بأن القانون الأساسي ليس نكرة. بل هو مهم وما ورد فيه مهم. وحتى في مخالفته السلطات العامة تؤكد على سموه ومكانته.

للاستماع للمحاضرة على الرابط التالي

تنويه هام: هذا ملخص غير مدقق لغوياً لما تم تقديمه في ويبنار نظمه مركز القانون الدستوري، جامعة النجاح، بعنوان: ماذا تبقى من القانون الاساسي، 18/5/2020. وقد تم إتاحتها لتشجيع النقاش حول ما ورد فيها. برجاء عدم الاقتباس أو الإحالة إلا بإذن شخصي من الباحث.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s