الأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني: شراكة ضرورية

تجدون هنا رابط المحاضرة المسجلة للبث المباشر للقاء أعدته منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (الأردن) بمناسبة الشراكة مع جامعة بيرزيت حول علاقة الأكاديميا بمؤسسات المجتمع المدني وأهمية الشراكة بينها. 

كما تجدون أدناه مداخلتي المكتوبة للمهتمين.

 

مداخلة الافتتاح

هناك فكرتان آمل في الوقت المحدد لي أن أشاركهما حول ما أرى أنه مساحات التشابك بين الجامعات ومؤسسات المجتمع المدني انطلاقا مما أعتقد أنه دور الجامعة والأكاديمي تجاه المجتمع – وهي أن الجامعة في خدمة المجتمع؛ وثانياً الجامعة في مقعد القيادة للمجتمع.

 

طبعاً ما سأعبر عنه في مداخلتي لاحقاً هي وجهة نظر أكاديمي في جامعة ولا تعبر بالضرورة عن موقف الجامعة كإدارة أو عن موقف أكاديميين آخرين في نفس الجامعة. مع ذg; آمل أن تكتمل بالاستماع لزملاء متحدثين آخرين أكن لهم الاحترام الكبير عندما يتحدثون عن هذه العلاقة من وجهة نظر من يعمل في جامعة مثلي أو في مؤسسات المجتمع المدني.

 

لكن في الوقت الحالي أكتفي بالترحيب بالمشاركين جميعاً – شاكرا لهم تلبية الدعوة في إطلاق الشراكة الجديدة بين جامعة بيرويت ومنظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية. وكلي أمل أن تشكل بداية تعاون مستمر يشمل المؤسسة والأكاديميين والطلبة. يسرني أن يكون هذا التعاون مرتبطاً بشكل مباشر بالدعوة التي وجهتها في الماضي لشبكة الخبراء التي تستضيفها المنظمة – في تقديم برنامج ماجستير في الهجرة الدولية واللجوء – الأول من نوعه والذي تم استحداثه في جامعة بيرزيت ابتداء من الفصل الأول من العام الأكاديمي الحالي.

—————

مداخلتي أثناء الجلسة

هناك فكرتان أود مشاركتها الآن حول ما أرى أنه مساحات التشابك بين الجامعات ومؤسسات المجتمع المدني انطلاقا مما أعتقد أنه دور الجامعة كمؤسسة والأكاديمي كفرد تجاه المجتمع – وهي أن الجامعة في خدمة المجتمع؛ وثانياً الجامعة في مقعد القيادة للمجتمع.

 

أولاً، الجامعة – بعكس المدارس – دورها يتجاوز التدريس، بل يرتبط ارتباطاً مباشراً بالمجتمع وبالتالي فإن مشكلات مجتمعاتها هي مشكلاتها وعليها مسؤولية تجاهها. وعندما تقوم بذلك فهي لا تقوم بشيء ثانوي أو إضافي بل أن هذا جزء من هويتها، كونها كجامعة.

 

اليكم هذا الاقتباس الذي قيل في العام 1925:

“من الضروري أن تتلاءم الجامعة مع فلسطين وتصبح جزءًا منها وتنمو معها. من أجل ضمان هذا الأخير، يجب ألا تلعب المعاهد فقط دورًا مهمًا في تطوير وتعزيز العلم والفن بأشكالهما المجردة، ولكن، باعتبارها كائنًا حيًا، يجب أن تشارك في التنمية الفعلية للبلد. يجب أن تقود الجامعة الطريق في حل المشكلات المهمة التي تطرح نفسها فيما يتعلق بإعادة إعمار البلاد.”

It is essential that the University should fit into Palestine, become part of it and grow together with it. In order to ensure the latter, the institutes must not only play an important part in developing and fostering science and art in their abstract forms, but, as a living organism, must take part in the actual development of the country. The University must lead the way in solving the important problems which present themselves in connection with the reconstruction of the country.  (Roberts, Joergensen and Newman 1984, 15).

 

هذا اقتباس من خطاب ألقاء واينتزمان الذي (أصبح لاحقا الرئيس الأول لدولة اسرائيل) ويتحدث فيه عن دور الجامعة العبرية التي أنشأه الصهاينة في القدس منذ العام 1918.

 

مع ذلك وبالرغم من اختلاف الإطار وتحفظاتنا عليه، إلا أن ما قيل هناك، يمكن أن نسمعه اليوم عن دور الجامعات اليوم.

 

هذا اقتباس من “ابراهيم أبو لغد” متحدثا عن اهتمام الفلسطينيين ومنظمة التحرير الفلسطينية في الجامعات وفي التعليم العالي في العام 2000 (نشر قبل عام على وفاته):

 

“كان الشعور السائد، آنذاك والآن، هو أن المؤسسات الوطنية للتعليم العالي يمكن أن تسهم بشكل كبير في صياغة وتطوير الوعي الوطني. يمكنهم توفير التدريب والتطوير للمجتمع الفلسطيني نفسه ويمكن أن يقوي الأساس الاجتماعي والثقافي لمجتمع مزقه احتلال عسكري فريد تفرضه دولة استعمارية استيطانية.”

The popular sentiment, then and now, was that national institutions of higher learning can contribute immeasureably to the articulation and development of a national consciousness. They can provide training and development of Palestinians society itself and can strengthen the social and cultural foundation of a society torn asunder by a unique military occupation imposed by a settler colonial state. (Abu-Lughod, 2000: 83).

أستخدم هنا استنتاجات أساتذة قاموا بكتابة تقرير في العام 1984 حول واقع التعليم الجامعي تحت الاحتلال – هذه الاقتباسات وغيرها من البيانات التي نستمع إليها هي “بمثابة تذكير بأن الجامعات ليست كيانات مجردة، ومنفصلة عن اهتمامات المجتمع من حولها. فللجامعات دور داخل مجتمعاتها.”

Universities, indeed, “are not abstract entities, cut off from the preoccupations of the society around them. They have a role within their own communities.

 

يستكمل هؤلاء في تقريرهم على أنه وبالرغم من أهمية الحفاظ على التمييز النظري بين انتاج المعرفة والسياسة إلا أنه من الصعوبة بمكان وضعهما في إطر مختلفة في عمل الجامعات والأكاديميين. فدور الجامعات وأكاديمييها وطلبتها يكون أيضاً، وفي الغالب، سياسياً. وهذا هو حال الكثير من الجامعات. فدور الجامعة ليس فقط انتاج المعرفة وإنما أيضا انتاج الوعي القومي والوطني أيضاً.

 

ثانياً، الجامعة مكان لطرح الأسئلة وليس فقط لتقديم الأجوبة – وكما قال أحدهم، “من يطرح السؤال المناسب فقد وجد نصف الجواب.” وبما أن “المعرفة قوة” كما ينسب أنه من إحدى الجمل التي قالها فرانسيس بيكون، فقد يكون من المناسب أن تكون هذه المعرفة محدثة ومستمرة ولا تقيدها تقاليد وأعراف وافتراضات بائدة. بل يجب أن تبقى الجامعات مساحة للسؤال والتسائل المستمر. بدون تلك الحرية لا تبقى الجامعة جامعة. وتتحول إلى مساحة للتلقين ومساحة لنقل الأيديلوجيا السائدة، وقد تكون مساهمتها ودعمها للمجتمع سلبية – في حالة الجامعة التي يفتخر فيها الصهاينة، الجامعة العبرية، فدورها واضح من حيث دعمها وأساتذتها للاحتلال ولطرق السيطرة والهيمنة والاستعمار على الأرض والشعب الفلسطيني.

 

فالمعرفة تقوم ليس فقط على محاولة لايجاد الأجوبة بل في السؤال نفسه وفي البحث المستمر وفي الشغف المستمر في المعرفة. العبرة من تلك القصة التي سمعتها مؤخراً عن الأب الذي يقول لاولاده بأن هناك كنز في الحقل، وبعد وفاته يقلبون ترابه بحثا عن الذهب فلا يجدونه ولكن الأرض نتيجة حرثها تثمر ثماراً طيبة وتدر عليهم دخلاً كبيراً مع نهاية الموسم، فيكون الكنز الصحيح هو ما جلبته عملية التنقيب على الذهب وإن لم يجدوه طبعاً. هكذا هو البحث تكون أهميته في التنقيب – أهمية البحث كأساس للمعرفة ليس فقط في النتائج فحسب وإنما في العملية نفسها.  

 

وطرح الأسئلة بهذا المعنى قد يكون مزعج للمجتمع بشكل عام وللسلطة الحاكمة وقد يتجاوز حدود ما هو مسموح به وما هو مقبول بالعادة. ولكن هذا هو دور الجامعة. فالجامعات لا تقوم بخدمة مجتمعاتها فقط وإنما تحاول دائماً أن تكون تلك المساحة للبحث والسؤال والنقد والتفكير خارج الصندوق وطرق الأبواب المغلقة والضغط على الأوتار غير المستخدمة ودفع الحدود المرسومة خطوة إضافية للأمام بحيث تساعد في تغيير المجتمع من جهة وتقوده أيضاً ولا تخدمه فقط.

 

هل هذا ما تقوم به الجامعات اليوم؟ لم تكن مداخلتي اليوم حول ما هو قائم فهذا يحتاج لبحث وتقييم بآليات مختلفة عما هو متاج لي. بل كانت مداخلتي حول ما أعتقد أنه يجب أن يكون عليه حال الجامعة اليوم لكي تكون جامعة. وهو في الوقت نفسه مساحة للتشابك مع مؤسسات المجتمع المدني وإن كان بطريقة مختلفة لطبيعة الأدوار وتكاملها سواء في خدمة المجتمع أولا وقيادته ثانياً. من خلال المساهمة في حل مشكلاته أولاً، وأشكلة ما يعتقد المجتمع بأن لديه الأجوبة الكافية عليه ثانياً. للمساهمة في استقرار المجتمع وتنميته أولاً وفي وضع مكابح لحالة الهرولة الشعبية باتجاه الحضيض وزعزعة ثقة المجتمع في الافتراضات السائدة والمهيمنة ثانياً. 

 

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s