علي الجرباوي، المعرفة، الإيديولوجية، والحضارة: محاولة لفهم التاريخ، 2021

استمتعت بقراءة هذا الكتاب الجديد للزميل العزيز د. علي الجرباوي. كان لدي توقعات كبيرة من هذا الإنجاز العلمي والأكاديمي ولم تخب أبداً توقعاتي بل كان الكتاب بقدر التوقعات وأكثر. يقدم د. علي خلاصة علمه وبحثه وكتاباته وأهم من هذا كله، تفكيره، على مر عقود خلت، حيث شغله وما زال، سؤال، حيره، فقام بعد أكثر من 40 عاما من التدريس والكتابة والبحث بمحاولة جواب في نظرية متكاملة لفهم التاريخ متحدثا عن المعرفة والايديولوجية والحضارة. قام بمباطحة كبار المفكرين المعاصرين وتمييز نظريته عن كل منهم بواقعية كبيرة وبثقة من يعرف أنه يعرف، فيقدم للقارئ خلاصة هذه المعرفة بطريقة سلسة وإن كانت السهولة التي في الكتاب من النوع الممتنع عن التقليد من قبل الآخرين. فهو عندما يكتب تشعر بأنه يتحدث مع القارئ وبدون مواربة يقدم له فكره بقوالب جميلة وكلمات لبقة بحيث تستمر في الانبهار من أول كلمة إلى آخر كلمة. كما أنني من النادر أن أنهي قراءة كتاب دون أن أجد خطأ إملائي أو خطأ إنشائي. في هذا الكتاب وبالرغم من تدقيقي ومحاولتي للتنبيش عن خطأ – لم أجده أبدا. اللغة جميلة وسليمة وسلسة. أتمنى مع ذلك أن تتم ترجمة الكتاب لتحقيق الفائدة والدخول في نقاش فكري مع أولئك المؤثرين أو المهتمين في مثل هذه القضايا. حق مثل هذه النظرية أن تصل إلى أكبر عدد من المختصين للمساهمة في النقاشات العالمية حول هذا الموضوع.

وجدت في الكتاب مرجعا قيما للاعتماد عليه في مساقات مختلفة أدرسها خاصة عندما أتحدث عن الدولة وأصولها وغاياتها وطريقة عملها وتفاعلها مع محيطها الإقليمي والدولي ودور الحضارة والثقافة والعلم في نشأة الدول والتقدم والتنمية. وجدت في الكتاب عرضا للخبرات التاريخية والعالم المعاصر باختلافاته ومع ذلك بالخط المستمر للتقدم البشري في علاقة الانسان مع بيئته أولا ومع الآخرين ثانياً. كما وجدت في الكتاب تقديما لأهم النظريات الفلسفية والفكرية القديمة والمعاصرة بطريقة شاملة ومختصرة تمكن غير المتخصص من القرائ بالشعور بالراحة في التعامل مع قضايا نظرية غالبا ما تكون صعبة الفهم أو التداول. كما تقدم هذه النظريات بطريقة تظهر أهميتها للحياة العامة وللدول المعاصرة.

من بين الملاحظات التي تواردت إلى ذهني عند قراءة الكتاب والتي آمل أن يكون هناك مناسبة لإجراء حوار موسع وعام حولها مع المؤلف وبمشاركة مهتمين آخرين هي ما يلي:

أولاً، بعكس المؤرخين الذين يبنون استنتاجاتهم نتيجة استقرائهم للحضارات والثقافات المختلفة، يقوم هذا الكتاب الذي يكتبه أستاذ العلوم السياسية بانتقاء للأحداث التاريخية المناسبة لبناء حجته ودعمها أو وضع الانتقادات الممكنة لها وضحدها. وعليه فإن وضع تعريف للحضارات مثلا واستثناء من لا تنبطق عليه تلك التعريفات حتى وإن يتم استخدامها من قبل مؤرخين آخرين لم يكن مقنعا بالنسبة لي. أعتقد بأن هناك حاجة لنقاش أوسع حول أسباب اعتبار هؤلاء المؤرخين لثقافات بذاتها (بحسب رأي المؤلف) على أنها حضارات (بحسب مؤرخين آخرين). فقط بعد ذلك يمكن أن أتفهم قيام المؤلف باستثناء تلك الحضارات التي اعتدنا على اعتبارها حضارات ولكنه يرى بأنها ليست كذلك لعدم ملائمتها أو لعدم انطباق الشروط التي يضعها للثقافة حتى يمكن اعتبار أنها أصبحت حضارة بحسب رأي المؤلف.

ثانياً، غياب بعض الأحداث التاريخية من السرد المذكور في الكتاب أجده غير مبرر في بعض الأحيان. فالأحداث التي رافقت الحرب العالمية الثانية، ما قبلها (بصعود الأنظمة الفاشية والنازية وعلاقة ستالين بهتلر والانتقادات لليبرالية الغربية في الثقافة الغربية نفسها – من قبل جمهورية الفايمر نفسها وفقهاء ومتخصصيها ومؤرخيها ومتخصصي العلوم السياسية فيها) وما بعدها (نتيجة الحرب العالمية الثانية وأثرها على المنظومة الدولية وعلى المنظومات الوطنية والدستورية). من الطبيعي ألا يقوم المؤلف بكتاب بهذا الحجم أن يتعرض لكل شيء. لكنني أعتقد أن الحرب العالمية الثانية وما حدث قبلها وبعدها ليس بالشيء الثانوي ويحتاج لمساحة كافية في الكتاب – ليس من حيث ذكره فحسب وإنما من حيث تحليل أثره على الحضارات وتطورها وتغيرها وانتقالها من مركز لآخر. الحضارة الغربية ليست فقط حضارة من فاز بالحرب العالمية الثانية. جزء لا يتجزء من تلك الحضارة هي المنظومة العنصرية التي أفرزت النازية ولكنها لم تبدأ معها بل هي جزء لا يتجزء من المنظومة الغربية وتعايشت معها. الليبرالية تعايشت مع التمييز العنصري في الولايات المتحدة ومع الأفكار العنصرية في أوروبا ومع الاستعمار الغربية وتبرير إزالة الانسانية عن الآخر، الأسود (ليس المقصود طبعاً لون البشرة هنا).

ثالثاً، عند الحديث عن الأفق المستقبلية للحضارة الصينية وإمكانية أن يواجه هذا الانتقال (الذي قد يحتاج لعقود وليس أشهر أو سنوات) من إمكانية مواجهة الغرب والدول الرائدة في الحضارة الغربية لهذا الانتقال أسوة بما حدث عند اندثار حضارة وقيام حضارة أخرى (دورة الحضارات بحسب هذا الكتاب ليست دورة حقيقة وإنما هي نقطة سمو واندثار واستمرار في التقدم ولكن دون أن تكون تلك الحضارة رائدة بعد فترة معينة حيث تكون هناك حضارة رائدة جديدة يمكن أن ينتقل مركزها من مكان لآخر) يقوم المؤلف باستخدام الماضي لاستحضار المستقبل أو استقراء معالمه. لكنني لم أجد في الكتاب نقاش لأثر اكتشاف القنبلة النووية وتأثيرها في إمكانية المحو الكامل للبشرية و للحضارات. فما حدث بالماضي من انتقال من حضارة لأخرى وبالرغم من ممانعة الدول التي كانت جزء من حضارات سابقة للمكانة الرائدة للحضارة الجديدة إلا أن ممانعتها لم يكن يرافقا في الماضي اسلحة دمار شامل. هذه الأسلحة بامكانها أن تدمر في دقائق ما بنته الحضارات في عقود بل بمئات السنين. وبالتالي ما حصل في الماضي قد لا يكون من الممكن أن يتكرر في المستقبل بتلك التفاصيل نفسها. هناك بعض الكتب التي تحدثت عن أثر الرادع النووي في ابقاء الامبراطوريات وأيضاً في مكانة الحضارات الرائدة في ظل إمكانية المحو الكامل للآخر (والذات) من خلال التهديد أو استعمال القنابل النووية أو غيرها من أسلحة الدمار الشامل.

رابعاً، في الجزء المتعلق بالعرب والدول العربية لا يبدو لي واضحا عمن يتحدث المؤلف – فهل هو يتحدث عن النخب الحاكمة أو النخق الثقافية أم عن الدول ومؤسساتها أم عن الشعب والأفراد أنفسهم. من المعروف في الدول العربية أن المواقف والانتماءات بل والتوجهات من حيث مكانة الحضارة الغربية وطريقة التعامل معها مع إرثها العلمي والثقافي والإنساني تختلف بحسب الجهة المقصودة. وبالتالي لا يمكن الحديث عن العرب بالمجمل وأكيد من غير المتوقع في كتاب بهذا الحجم إعطاء النقاش بتفاصيله المختلفة وحيثياته حول التوجه العربي تجاه الغرب والحضارة الغربية من كافة مكونات الدول والشعوب العربية. لكنني كنت أود أن أجد ذلك التوازن الذي يظهر التنوع في العالم العربي.

خامساً، لقد قرأت عدة كتب سابقة تتحدث عن دور المؤسسات الاقتصادية والسياسية في تحقيق التنمية وتعزيز إمكانيات النمو وتشجيع الابتكار والاختراع والانتقال للاقتصاد المبني على الصناعة والتحديث في كافة المجالات وليس فقط على الثقافة أو دور الأفراد أو الحروب أو السيطرة والهيمنة أو قيام الامبراطورية في تحويل الثقافة لحضارة. هذا لم يحظى برأيي بالمكانة اللازمة في التحليل في هذا الكتاب.

هذه الملاحظات وغيرها لا تنتقص من قيمة الكتاب بل هو إضافة نوعية لمكتبتنا العربية ومثيرة للاهتمام بفرضياتها والحجج المستخدمة والاستخدام السلس للأدبيات (أفضلها، ومعظمها متاح ترجمة عربية لها). وبالتالي أعتبر تلك الملاحظات لي أكثر منها للمؤلف للاستمرار في البحث حولها وحول دورها في نشأة الحضارات أو اندحارها.

للإطلاع على لائحة الكتب التي تمت مراجعتها في العام 2021:

1) Barack Obama, A Promised Land (Crown, 2020) (769 pages, endnotes and annexes excluded).

2) Malcolm Gladwell, Outliers: The Story of Success (Little, Brown and Company, 2008) (285 pages, EE).

3) Sigmund Freud, The Future of an Illusion (1928), 56 pages.

4) Jean-Paul Sartre, Anti-Semite and Jew: An Exploration of the Etiology of Hate (Schocken Books, 1944) (136 pages).

5) Austin Sarat (ed), Human Rights: Concepts, Contests, Contingencies (University of Michigan, 2001), 116 pages.

6) Hani Faris (ed), The Failure of the Two-State Solution: The Prospects of One State in the Israel-Palestine Conflict (I.B.Tauris, 2013). (317 pages).

7) Michael J. Sandel, What Money Can’t Buy: The Moral Limits of Markets (Penguin Books, 2013) (256 Pages).

8) Philip H. Gordon, Losing the Long Game: The False Promise of Regime Change in the Middle East (St. Martin’s Press, 2020) (368 pages).

9) Frantz Fanon, The Wretched of the Earth (1961, 2004) (300 pages).

10) L.A. Hart, Law, Liberty, and Morality (The Harry Camp Lectures at Stanford University, 1962). (88 pages).

11) عبدالله أحمد النعيم، حقوق عالمية، حلول محلية: تفعيل حقوق الإنسان في إطار النظم القانونية في أفريقيا (1999)، 160 صفحة.

12) Raja Shehadeh, Going Home: A Walk Through Fifty Years of Occupation (Profile Books, 2019) (194 pages)

13) عبدالله أحمد النعيم، نحو تطوير التشريع الإسلامي (مع مقدمة لحسين أحمد أمين)، 2006. 222 صفحة.

14) Roger Owen, The Rise and Fall of Arab Presidents for Life (Harvard University Press, 2012, 2014). 248 pages.

15) Francesca Albanese & Lex Takkenberg, Palestinian Refugees in International Law (Oxford University Press, 2020), 608 pages.

16) Somdeep Sen, Decolonizing Palestine: Hamas between the Anticolonial and the Postcolonial (Cornell University Press, 2020), 186 pages.

17) دينيس لويد، فكرة القانون (ترجمة سليم الصويص، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1981)، 416 صفحة.

18) Marwan Muasher, The Second Arab Awakening: And the Battle for Pluralism (Yale University Press, 2014), 232 pages.

19) Yasmina Khadra, L’imposture Des Mots (Julliard, 2002), 177 pages.

20) ماهر الشريف، المثقف الفلسطيني ورهانات الحداثة (1908-1948) (مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2020). 326 صفحة.

21) جان غيتون، الفكر والحرب (1988)، 152 صفحة.

22) عبد الرازق فرّاج، الاعتقال الإداري في فلسطين كجزء من المنظومة الاستعمارية: الجهاز القضائي في خدمة الأمن العام (مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2020)، 92 صفحة.

23) جورج طرابيش، نصوص حول المسألة اليهودية – لنين (منشورات صلاح الدين، القدس، 1980). 72 صفحة.

24) جون ستيوارت مِل، النفعية (ترجمة حيدر حاج اسماعيل، المنظمة العربية للترجمة، 2012)، 102 صفحة.

25) الحسن بن طلال، المسيحية في العالم العربي (المعهد الملكي للدراسات الدينية، 1995). 134 صفحة.

26) Adam Roberts, Boel Joergensen, and Frank Newman, Academic Freedom Under Israeli Military Occupation: Report of WUS/ICJ Mission of Enquiry Into Higher Education in the West Bank and Gaza, 1984. 87 pages.

27) مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي: مشكلات الحضارة (2000/1954). 200 صفحة.

28) عبد الله إبراهيم، أمواج : سيرة عراقية (دار جامعة حمد بن خليفة للنشر، 2017). 600 صفحة.

29) Giorgio Agamben, Remnants of Auschwitz: The Witness and the Archive (Homo Sacer #III). 2002/1998. 176 pages.

30) Dale Carnegie, How to Win Friends and Influence People (1988/1936), 288 pages.

31) محمد رضا بن حماد، المبادىء الأساسية للقانون الدستوري والأنظمة السياسية (طبعة ثانية، 2010). 570 صفحة.

32) Antony Beevor, The Second World War (Little, Brown and Company, 2012), 863 pages.

33) Hannah Arendt & Ronald Beiner (Editor), Lectures on Kant’s Political Philosophy (University of Chicago Press, 1989), 174 pages.

34) Ibrahim Fraihat, Unfinished Revolutions: Yemen, Libya, and Tunisia after the Arab Spring (Yale University Press, 2016), 304 pages.

35) Mahmood Mamdani, Neither Settler Nor Native: The Making and Unmaking of Permanent Minorities (Belknap Press, 2020). 416 pages.

36) Lewis White Beck, Six Secular Philosophers (St. Augustine’s Press, 1997). 131 pages.

37) Primo Levi, Tullio Regge, Dialogo: Nuova edizione (Einaudi, 2005, 1984). 86 pages.

38) Samir Amin, The Liberal Virus: Permanent War and the Americanization of the World (Monthly Review Press, 2004). 128 pages.

39) Ramin Jahanbegloo, Conversations with Isaiah Berlin: Recollections of an Historian of Ideas (Phoenix Press 2000, 1991). 233 pages.

40) Walter Benjamin & Hannah Arendt (Editor). Illuminations: Essays and Reflections (Schocken, 1969). 288 pages.

41) Raja Shehadeh, A Rift in Time: Travels with my Ottoman Uncle, Profile Books, 2010. 256 pages.

42) William L. Shirer, The Rise and Fall of the Third Reich: A History of Nazi Germany (Audio book), 1960. 1614 pages.

43) علي الجرباوي، المعرفة، الإيديولوجية، والحضارة: محاولة لفهم التاريخ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2021. 376 صفحة.

للإطلاع على لائحة الكتب التي تمت مراجعتها في العام 2020 على هذا الرابط.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s