حفل إطلاق كتاب: مفهمة فلسطين الحديثة

كلمة افتتاحية في حفل اطلاق كتاب “مفهمة فلسطين الحديثة: نماذج من المعرفة التحريرية”، إشراف د. عبد الرحيم الشيخ، ومساهمة طلبة من برنامج الدكتوراه في العلوم الاجتماعية، بتاريخ 22 آذار 2022.

لمشاهدة الندوة على هذا الرابط

اليوم مميز في جامعة بيرزيت. لعدة أسباب. أولها أننا نحتفل بإطلاق كتاب يشكل من حيث وجوده وحده – قبل الخوض في محتواه – تجسيدا لما يجب أن تكون عليه الجامعة. وبالتالي إن ارتأيتم التفكير بمستقبل الجامعة. فلننظر إلى هذا النموذج المشرق من الحاضر على الرغم من كل ما يدعو من حولنا إلى الإحباط سواء لما يحدث في المجتمع أو في الجامعة.

فالجامعة ليست مدرسة. والأكاديمي ليس مدرس. هذا الكتاب وعملية تحضيره تعطينا صورة عن ماهية الأكاديمي وبالتالي عن ماهية الجامعة.

  • فالأكاديمي ينشر. والأكاديمي يبحث. والأكاديمي يسأل. اختزال عمل الأكاديمي بأي من هذه المهام لا ينتقص من ماهية الأكاديمي فحسب بل ينفي عنه هذه الصفة. والجامعة لن تكون جامعة إن لم تكن حاضنة للنشر والبحث والسؤال. فالجامعة ليست مكان لتصدير مخرجات – النشر والمنافسة مع جامعات أخرى في عدد المنشورات ونسبة الاقتباسات. الجامعة لديها خطر اسمه تسليع التعليم. هذه ليست فرصة. هذا تحدي. الضغط على الجامعة بأن تتحول إلى مكان “يصنع” خريجين بشكل معين أو أن يقوم بالتركيز بالمنتج، المنشورات، لا يختلف في هذه الحالة عن أي مصنع أو شركة.
  • والأكاديمي يبحث. ليس فقط للنشر بل لإيجاد الأجوبة. وهذا يقتضي منه استخدام المناهج والوسائل التي تتيحها المعارف المتراكمة ليصل إلى أجوبة على أسئلة يطرحها. سواء وصلت إلى مرحلة النشر الأكاديمي أم لم تصل. ومن هنا الجامعة هي المكان – ويجب أن تبقى المكان الذي نصل فيها ومن خلالها لأجوبة مختلفة ليس فقط لكون مناهجنا في البحث وطرقنا مختلفة وإنما أيضاً للاعتراف بطبيعتنا البشرية المتعددة وأن هذا مصدر قوتنا وليس ضعفنا. وعليه فالجامعة تعددية ومتنوعة ومتداخلة وعابرة وما بين وكل ما يعبر عن هذا الرفض للتأطير والتوحيد الجبري الذي يخالف طبيعتنا كبشر. الجامعة التي تغيب عنها التعددية بالمعاني السابقة ليس جامعة. والأكاديمي الذي لديه الأجوبة الوحيدة جاهزة ليس أكاديمي. ومثل هؤلاء لا يحتاجون الجامعة. والجامعة لا تحتاجهم.
  • والأكاديمي يسأل. بل يتحدى السؤال. فهو لا يقبل بهيمنة السؤال الواحد. وينظر لنفس الموضوع من زوايا مختلفة معريا ما يقبله الآخرون على أنه مسلمات ويناقشها ويتحداها ويعيد صياغة السؤال. ويساهم بذلك في التصدي لهيمنة السؤال الواحد أو السؤال المهيمن. فيسأل أسئلة غريبة. بل أسئلة يكون في طرحها وحده ما يشبه الكفر في المسلمات النظرية السائدة. ولأنه كذلك فهو بطبيعته أقلية. ويعاني ما يعانيه من هو في الأقلية. فالآخرون لا يفهمونه. والآخرون يرفضونه. والآخرون يعتبرونه مجنوناً أو يعتبروه متعجرفاً. في الماضي كان هؤلاء يحرقون في الساحات العامة. اليوم بعض هؤلاء يكملون بالرغم من كل ما سبق من تحديات ليبدأوا مسيرة جديدة. يكون لهم فيها تابعين. الأكاديمي الذي لا يتحدى السؤال ليس أكاديمي.

وهذا الكتاب هو كل ذلك.

  • فمن يعرف بمسيرة تحضير هذا الكتاب يعرف بأن الوصول لعملية نشره بهذا الشكل كان ممكنا نتيجة تعاون عدة جهات. مؤسسة الدراسات الفلسطينية مع جامعة بيرزيت. أستاذ الدراسات الثقافية د. عبد الرحيم الشيخ مع طلبة الدكتوراه. الطلبة مع بعضهم في عملية تحكيم متبادلة قبل مراجعته من قبل أستاذ المساق ومحكمين خارجيين. كانت عملية مضنية لكن النتيجة تستحق كل هذا الجهد. أنا واثق من ذلك. لأن النشر الذي تم لا يحارب فقط رواية مهيمنة حول فلسطين. بل يقدم لرواية أصيلة عن فلسطين. ليس من وجهة نظر المنتصر في الحروب بقوة الجيش والمستعمِر والمحتل وإنما من وجهة نظر المهزوم عسكريا، والمستعمَر والمقاوم. الرواية كلية مختلفة. ولكنها مثل أي قصة تحتاج للإقناع. لتصبح في المستقبل واقعاً. بعكس الرواية الرسمية الوحيدة هناك عدة روايات أخرى متعددة وعصية عن التوحيد. روايات المقاومة والشعب والمواطن والفرد والإنسان. ولهذا السبب فرواية المهزومين مزعجة. لأنها لا تقوم على تقديم رواية متسقة ومنسجمة. وإنما رواية متشتتة وفوضوية.
  • والكتاب أيضاً مساحة للبحث عن أجوبة. هذه المرة من قبل طلبة دكتوراه في العلوم الاجتماعية في جامعة بيرزيت. من قلب فلسطين عن فلسطين. وليس عن فلسطين من خارجها. ولا أقصد هنا الجغرافيا طبعاً. هذا الكتاب ليس عن فلسطين. هذا الكتاب رواية الفلسطينيين. هذا الكتاب عن فلسطين الفلسطينيين. وقد تم الجواب على الأسئلة من خلال مداخل عابرة للحقول. بالضبط كما يجب أن يكون التعليم الجامعي. ليس تعليما مجتزئ. فنحن لا نعمل في مصنع سيارات كل من العاملين فيها مطلوب منه تركيب برغي. المعرفة العابرة للحقول هي معرفة تقترب للشمولية وترفض التقوقع في حدود الحقول العلمية. فالمعرفة بطبيعتها عابرة للحقول. والتعليم الجامعي الذي يقيد هذا النوع من المعرفة باسم التخصص يساهم في بتر التعليم عن المعرفة.
  • أخيراً هذا الكتاب فيه تحدي للأسئلة المهيمنة. فيسأل ما تعتبره الكثير من المجلات العلمية المرموقة بسبب تحيزاتها غير مقبول بل غير علمي لأنه أشبه بالمحرمات. ليس بالضرورة أن نتفق مع الأجوبة التي توصل إليها الباحثين. الأهمية أحيانا في طرح السؤال وطرحه بذلك الشكل.

وعليه، المساهمون الأعزاء في هذا الكتاب، طلبة الدكتوراه السبعة وأستاذهم د. عبد الرحيم الشيخ. استمروا بالنشر. استمروا بالبحث. استمروا بالسؤال.

د. عاصم خليل

عميد كلية الدراسات العليا

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s