“لا يمكن أن نعمل عجة من دون أن نكسر البيضة”

مداخلة د. عاصم خليل

في حفل إطلاق كتاب د. رشاد توام: الدولة في الجندي

22 أيلول 2022

“لا يمكن أن نعمل عجة من دون أن نكسر البيضة”.

هذه الجملة تستخدم بكثرة من قبل من لديه رغبة بتفسير أحداث أو تبرير أفعال وأحكام، باسم الضرورة.

فالحرب ضرورية للسلم. والفوضى للاستقرار. والعنف للإقناع. والثورة للدولة. والانقلاب للتغيير. والتمثيل للديمقراطية. والجيش للدولة.

هذه اللحظات التي تسبق القانون بل وتسبق السياسة بالعادة لأنها تسبقها منطقيا وليس بالضرورة زمنياً، تبقى عصية عن التحليل والتمحيص والفهم بناء على ما نعرفه في علم القانون وفي علم السياسة.

الأحداث (facts) تشير إلى أمور الطبيعة وهي تنطبق على المجتمعات أيضاً وتنظيماتها السياسية. فهذه تحدث. كما الزلزال وغيرها من الأحداث والكوارث “الطبيعية”، يكون لها بالضرورة أسبابها، ولكن من النادر أن نتمكن من تجنب حدوثها، وما تقوم به المجتمعات بالعادة هو أنها تنطلق منها. وتبني عليها. وتعتبرها نقطة الصفر. فتبدأ بتراكم الحضارة البشرية حولها وعليها.

وبهذا المعنى، تكون الملكيات والجمهوريات. وتكون المجتمعات بمعتقداتها ودياناتها ومسلماتها. وتكون أيضاً أدوار مصادر القوة فيها محددة. كما في الطبيعة نتعامل مع هذه الأحداث على أنها نقطة الصفر، نقطة البداية، الاساسات. التي تعطي معنى للقانون والسياسة دون أن تحتكم تلك البدايات بقواعد القانون والسياسة. ومن هنا الثورات والانقلابات والتغيرات الجوهرية التي تحدث على المجتمعات والدول. ومن هنا أيضاً لحظات التأسيس من خلال الدساتير وتفعيل السلطة التأسيسية وعدم احتكامها للدستور الساري بل خلق نظام دستوري من لا شيء – في عالم لا يوجد فيه “لا شيء” بالحقيقة إلا في خيالنا. ولكن هذا الخيال يكون ضرورياً لتبرير البدايات.

ومن هنا هذا الكتاب الذي يتحدث عن “أحداث” مهمة لمصر مرتبطة بمرحلة تأسيسية. مهمة لأنها حدثت في مصر. مهمة لأنها حدثت في ذلك المكان والزمان والجغرافية. ولهذا فإن ما تطور تدريجيا في مصر وله أساسات تاريخية يصبح في مرحلة ما جزء من الأحداث التي تؤثر في المستقبل لأنها تشكل نقطة الصفر الجديدة للبناء الجديد والهيكل الجديد. ولهذا فللجيش في ساعة الصفر في مصر ما يختلف عن مكانة الجيش في ساعة الصفر في تونس وهكذا. ولأن من يكتب في القانون والسياسة كمن يصف العجة وطعمها وفائدتها وينسى البيضة وكسرها، فإن أي تحليل عن العجة دون اللحظة التي سبقتها يبقى تحليلا ضيقاً. وليس المقصود طبعأً الانفتاح الضروري واللازم بين القانون والعلوم السياسية وإنما المقصود الانفتاح بين من درس القانون والسياسية، وما قبلهما، وما قبل المجتمع السياسي والقانوني. وبمرحلة العنف المرافقة لتلك النشأة ولتلك البداية ولتلك المرحلة التأسيسية لما هو جديد.

ومن هنا أهمية مثل هذا الكتاب: الدولة في الجندي. فهو يتحدث عن التغيير الدستوري في مصر. ويصف بدقة تامة الأحداث التي رافقت التغيير في مصر. سبقته وتبعته. ويتحدث عن الجيش ودوره في كل هذا.

لكن ما يميز البشر ويربطهم بباقي الكائنات الحية هو أيضاً تأثير الأفعال (acts) أو (actions) أيضاً. فللإنسان وأفعاله تأثير على الأحداث. ولهذا فإن تطور المجتمعات السياسية المعاصرة والدول جاء ليعكس ليس ما يعتبر تطورا طبيعياً للمجتمعات فحسب بل يأتي نتيجة الأفعال الإنسانية التي تخلق كيانات جديدة مخطط لها ومدروسة وتحقق غايات مرغوب بها وتستخدم المنطق في عملية التحضير لتلك المجتمعات المرغوبة وتتجنب الوضع القائم. بهذا تأنسنت عملية الخلق. فبدل أن تكون الطبيعة وتطور المجتمعات الطبيعي هي أساس الدول بدون أن يكون للبشر دور في البدايات. وبهذا تتأنسن الروايات الدينية للخلق فيصبح الإنسان هو الخالق لكيانه السياسي، الذي يصنعه كما يرغبه ويخطط لاستحداثه. وعلى طريقة الثورات الأمريكية والفرنسية والتي لم تكن بثورة حقيقية بالمعنى المعاصر ولكنها كانت ثورة لأنها غيرت في طريقتنا للنظر للدول وفي دور البشر في تحديد طبيعتها وشكلها وطريقة تنظيمها.

ومن هذا المنطلق يأتي الكتاب ليقدم لنا رواية حول ما تم في مصر ومساهمات البشر بمؤسساتهم وشخوصهم المختلفة في عملية التغيير التي تمت في مصر. وعلاقة هؤلاء بالجيش وتأثير الجيش عليهم. وبأدق التفاصيل أيضاً.

أخيرا فإن ما يميز الجماعات البشرية عن الحيوانات التي تشترك معها كونها كائنات حية ليس فقط الأحداث والأفعال وإنما أيضاً الأحكام (judgment). فالبشر يصدرون أحكاما وبطريقة غير منطقية في كثير من الأحيان وبلا تفسير عقلاني لما هو جيد وما هو سيء. لما هو عادل وما هو ظالم. لما هو بشع وما هو جميل. ما هو مقبول وما هو مرفوض. لما هو مرغوب وما هو مكروه. هذا الحكم الذي يقوم أيضاً ليس فقط على قرار بخصوص القائم بل أيضاً حول الوعود بخصوص المستقبل. هو ما يميز البشر أيضاً.

فالإنسان – وليس القرد – يقبل بالظلم والذل والفقر في الدنيا لوعد بالعدل والسعادة والغنى بالحياة الآخرة. والإنسان – وليس القرد – يقبل أن يقايض الموزة بورقة نقدية. لأن الورقة النقدية تقوم على وعد بإمكانية الاستخدام لاحقاً.

هذا أيضاً يغطيه الكتاب من حيث دور الجيش ومكانته في المجتمع المصري وفي النظام السياسي المصري وما هو مقبول وما هو مرفوض في هذا المجتمع ودور المحاكم المختلفة بما فيها المحكمة الدستورية بالحكم على مشروعية مؤسسات دستورية أخرى بغض النظر عن النصوص الدستورية القائمة. الحكم بهذا المعنى يؤثر في البناء القائم في الدولة ودور ومكانة الجيش فيه.  ويأتي بهذا أيضاً القبول بالجيش ودوره ومكانته للوعد الذي يرافقه ذلك بخصوص مستقبل مصر والمصريين. وهذا أيضاً غطاه الكتاب بالحديث عن دور المحاكم ودورها في حل مجلس الشعب ومجلس الشيوخ. ودور الجيش في هذه العملية ودور المحكمة وعلاقتها بالمؤسسة العسكرية.

لكن الدولة وبالتالي دستورها وما تستحدثه اللحظة التأسيسية بالعادة تركز على المؤسسات الثلاث الرئيسية في الدولة وهي (1) السلطة التشريعية وبالتحديد دور البرلمانات أو ما في حكمها، وهي مؤسسات القرن الثامن عشر والتي تعزز دورها بتبني الدساتير المكتوبة الحديثة بعد الثورتين الفرنسية والأمريكية. وبهذا تشبث المشرع عندما يصنع قانونا جديداً بأن ذلك يعكس الإرث القائم أو الأعراف القائمة أو الوضع القائم. (2) السلطة التنفيذية وبالتحديد دور الحكومات، وهي مؤسسات القرن التاسع عشر والتي تعزز مساحة تدخل الأعمال الحكومية وتقدم الحكومة على أنها نتيجة تخطيط إنساني لمؤسسات الحكم ليس إلا. (3) السلطة القضائية وبالتحديد المحاكم العليا والدستورية وهي مؤسسات القرن العشرين والتي تكون الجهة المختصة للحكم حول ما هو جيد، وعادل، وجميل، الخ. وترفض ما هو سيء وظالم وبشع، الخ. وهو ما يسمى بشكل مختصر على أنه “دستوري” لتمييزه عما ليس دستورياً.

ومن هنا يأتي هذا الكتاب ليغطي ثغرة في كتب القانون الدستوري والعلوم السياسية. ففي الوقت الذي تهتم بمؤسسات الدولة الثلاث المشار لها أعلاه، تهمل معظم هذه الكتب دور فاعلين رئيسيين مهمين أحدها دور رئاسة الجمهورية وهو موضوع يحتاج لفحص لاحق، بالإضافة لدور ومكانة الجيش في النظام السياسي والنظر في إمكانية أن يكون للجيش ضمن النظرية الدستورية والديمقراطية للدولة.

لكن هذا لا يكفي – وكتاب من أكثر من 600 صفحة على كبره ودقة تفاصيله لا يكفي لفهم دور الجيش في القانون والسياسة. وقد يكون ما أطرحه الآن موضوع لبحث آخر قد ينتهي بكتاب آخر للدكتور رشاد توام. صحيح أننا اليوم نحتفل باطلاق هذا الكتاب والذي يضع نهاية مشرفة لسنوات من العمل الدؤوب الذي تابعته بمراحل مختلفة. ولكن ما فائدة النهايات التي لا تحضر لبدايات جديدة؟ تخيلوا أن يكون الموت هو فقط النهاية للحياة الأرضية؟ تخيلوا أن يكون الزواج هو فقط النهاية لمرحلة العزوبية؟ تخيلوا أن يكون التقاعد هو فقط النهاية للحياة العملية والمهنية؟ وبالتالي يا د. رشاد، هذه النهاية لمرحلة وآمل أن تكون بداية لمرحلة جديدة في الكتابة.

ما أقترحه يقتضي تغيير المنظور الذي لدينا عن الدولة في القرن 21 وبالتالي عن دور الجيش في الدولة. فبدل كل ما سبق، هناك من ينظر إلى الدولة والسلطة في الدولة على أنها أقرب لأن تكون “عملاً فنياً” ليس إلا. فالدولة لا يتم تصميمها وهندستها عند وضع الدستور في لحظات التأسيس فحسب، أو نتيجة عقد اجتماعي يقوم على تغليب مصلحة المجموع فحسب، أو من خلال عمل حكومي يقوم على تحقيق المصلحة العامة فحسب.

الدولة كعمل فني يعني بأن الحكومة والدستور بل والمجتمع المدني ومؤسساته والقطاع الخاص والأجهزة الأمنية والجيش، يشاركون في نفس العمل الفني: نفس المسرحية. للجميع في هذه المسرحية دور. بدونه لا تكتمل القصة وبدونها لا توجد رواية.

ضمن هذه الدولة الأفراد ليسوا مواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات بل هم الجمهور، متفرجين على هذه المسرحية، ويعتقدون أنهم أفراد تحكمهم إرادة حرة، وفي الحقيقة تحكمهم مشاعرهم عند الحكم على المسرحية ويقررون تحركاتهم ضمن ما يحدث في نفس المسرحية. وحيث أن مشاعرهم يمكن التحكم بها والتلاعب بتفاصيلها، وتعتمد مواقف المتفرجين من العمل الفني ليس فقط على قدرة الممثلين على الإقناع بدورهم وليس بحقيقتهم، فيكون بهذا معيار الجيد والسيء والجميل والبشع، الصديق والعدو، الخير والشر، ليس أمراً طبيعياً أو جمعياً، وإنما يكون أمراً إنسانيا بمعنى مرهون بالإنسان الذي تحكمه مشاعره وتتحرك بطريقة لا عقلانية لما يؤثر عليه. فيتفاعل معها ويرفضها ويقبلها دون أي تفسير منطقي قابل للتحليل أو الاستباق. بهذا المعنى الأهم في العمل الفني ليس الفنان وإنما الجمهور. ليس المهم ما ينتجه الفنان بل الأهم هو تقدير المتفرجين للعمل الفني وحبهم له!

نحن نعيش في واقع يكون فيها الحكم على الأداء الحكومي ودور مؤسساته المختلفة مرهونا ليس بتفويض شعبي ديمقراطي من خلال الانتخابات وإنما من خلال حكم جمهور المتفرجين عما يصدر عن الدولة. وبالتالي الرضا عن الدولة والأداء الحكومي ودور المؤسسات المختلفة بما فيها الجيش في تحديد معالم النظام السياسي في الدولة.

فكما يستغرب خبير الجبنة الفرنسية لحب الناس للجبنة المعفنة وشرائهم له بكثرة لدرجة أنه يبدأ بالشك بأن المشكلة عنده وليس عند الناس. وكذلك يستغرب مصمم الأزياء لماذا هذا التهرول لشراء البنطلونات الممزوعة. حينها يكون أمام خبير الجبنة ومصمم الأزياء، خياران لا ثالث لهما: إما أن يقوم بتوفير ما يطلبه المستهلكون، الجمهور، وإما أن يغير عمله، أو يعيش وحيداً ويموت وحيداً. وهكذا في علم القانون والسياسة. يستغربون لهرولة الأفراد المستهلكين للأعمال الحكومية وقبولهم بها وعدم تمردهم عليها لدرجة أنهم يتعرضوا لأحد الخيارين إما تغيير رأيهم ويضعون رؤوسهم بين الرؤوس وإما أن يغيروا وظيفتهم وحقلهم ويعودوا للعمل في الحقل بدل التنظير في القانون وعلم السياسة. هذا ليس تطور حضاري هذا بداية النهاية للحضارات كما عرفها التاريخ.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s