تقييم دور الأكاديميين في تطوير وإصلاح القضاء

تقييم دور الأكاديميين في تطوير وإصلاح القضاء

عاصم خليل، 7/12/2022

  • أشكر المنظمين على تفهمهم والاعتذار المسبق من المتحدثين الآخرين لعدم قدرتي من التواجد معهم والاستماع لمداخلاتهم أيضاً وللحضور للرد على إجابات الحضور.

 

  • “تقييم دور الأكاديميين” عنوان يحتاج لتوضيح، فالتقييم يتم بطريقتين، الأولى تقوم على استقراء ممارسات الأكاديميين للخروج بتعميم يعكس تلك الممارسات، والطريقة الأخرى هي استنباطية تقوم على توضيح مسبق لما نراه أو يراه آخرون على أنه دور الأكاديميين في الشأن العام لمحاولة تطبيق ذلك على ممارسات الأكاديميين فيما يتعلق موضوع تطوير القضاء وإصلاحه.
  • مع أهمية المدخل الأول إلا أنني لا أملك الوقت ولا الآليات ولا الوسائل البحثية الكافية لتنفيذه. بالإضافة طبعاً لصعوبة تبني مثل هذا المنهج دون أن يؤدي ذلك التقييم للتلميح من قريب أو بعيد لحالات معروفة في المجتمع الفلسطيني وبالتالي لا تؤدي المداخلة غاياتها لتتحول لطريقة لتقييم ممارسة بعض الأكاديميين بدل الاستفادة منها للحديث عن دور الأكاديميين بشكل عام.
  • سأكتفي في هذه المداخلة بالأساس بالاعتماد النظري على ما كتبه إدوارد سعيد حول دور الأكاديمي/المفكر بشكل عام وما ورد في التحديد في مجموعة محاضرات متاحة على BBC وتم نشر محتواها على شكل كتاب: Representations of the Intellectual.
  • أما الجزء الثاني من العنوان “تطوير وإصلاح القضاء” – وهو المشترك بين المتحدثين الأربعة – فهو شيء عرضي بالنسبة لمداخلتي في ظل الاختيار المنهجي المشار له أعلاه، من حيث كون المداخلة تقوم على قراءة استنباطية وليس استقرائية. وعليه فالأساس دور الأكاديمي في الشأن العام. ولهذا ايضاً فإن الأكاديمي الذي أشير له في هذه المداخلة غير محصور بأساتذة كليات الحقوق وإن تعرضت لهم في بعض الأحيان لخصوصية الحقل.
  • بدأت التفكير في هذا الموضوع تحضيرا لهذه المداخلة وأنا مقتنع كما كتبه آخرون بخصوص المفكرين وأعتقد أنه ينطبق بشكل عام على مفهومي للأكاديميين ودورهم في التغيير (المجتمعي، والسياسي، الخ): “لا يسعى المفكر إلى تغيير العالم؛ أمله الوحيد أن يقوم أحدهم في المستقبل بقراءة ما كتبه بالضبط كما كتبه.” لكن في الحقيقة فإن كل الثورات لها مفكريها. وكل الثورات المضادة لها مفكريها. وفي الصراعات بين السلطة العامة والكيانات الأخرى داخل الدولة يكون لكل منها مفكريها. وبالتالي يبقى هذا الموقف خاص بالمجموعة الضيقة من الأكاديميين، المفكرين منهم أو الذين سأقوم بتسميتهم لغايات هذه المداخلة، الأكاديميين الملتزمين منهم.
  • الأكاديمي الملتزم هو من يتجنب حالتين: الاختيار أن يكون في الجانب الآمن بتبني مواقف الأقل إشكالية وبهذا يتحول إلى تقني أليف لا يضر ولا ينفع؛ ومن ناحية أخرى الأكاديمي يمكن أن يظهر وكأنه دائما على حق وبطريقة مزعجة ولدرجة أن لا أحد يرغب بالاستماع له. وبهذا من مصلحة الأكاديمي أن يجد من يستمع له وبدون أن يضطر للمهادنة في كل شيء لتجنب الصدام في كل الأحوال.
  • والأكاديمي الملتزم الذي نتحدث عنه قد يكون

    • (1) بالمعنى التقليدي من يدرس في مؤسسة تعليم عالي وهي تشمل المجموع الأكثر عدداً.
    • (2) ولكن الأكاديمي بالمعنى الأوسع تشمل أيضاً الباحث سواء كان المدرس الذي يطلب منه أحيانا أو يلتزم بشكل شبه طوعي بعمل بحثي موازي لعمله التدريسي بالإضافة لباحثين متفرغين في معاهد ومراكز بحثية سواء كانت متصلة أو منفصلة بمؤسسات تعليم عالي.
    • وهو أيضاً (3) المفكر الذي لا يكتفي فقط بالتدريس والبحث (وقد لا يقوم بهما حتى) بل يقوم باستخدام علمه للاحتكاك والاعتراك بقضايا الشأن العام بشكل مباشر وقد يكون أكاديميا بالمعنى التقليدي أيضاً (مدرس) ولكنه قد يختار الصحافة ووسائل التواصل المختلفة كوسيلة لاجراء هذا الاعتراك المباشر مع قضايا الشأن العام.
  • والأكاديمي المفكر بالعادة هو الأقل عددا كما أنه بالعادة أيضاً الأكثر تهميشاً. كونه منبوذ من قبل الأكاديميين الآخرين التقليديين والباحثين، أو من قبل الآخرين في المجتمع، الذين يرون في تدخله في قضايا الشأن العام شيء مزعج. فالمفكر بطبيعته مزعج. فهو يقول بالعادة ما لا يرغب الآخرون بسماعه. (طبعا هذا لا يجب تفسيره بأن كل من يقول شيء مزعج أصبح مفكراً).
  • لكن للأكاديمي الباحث دور في قضايا الشأن العام لا محالة ولا يمكن للباحث أن يدعي الحيادية عندما يقوم ببحث يرى النور ويكون له حياته الخاصة المختلفة عن الباحث حالاً بعد نشره. فالباحث الذي ينشر ورقة علمية سواء في مجلات محكمة أو في مجلات مهنية أو حتى يشارك بتحليله من خلال وسائل أخرى أكثر قرباً من المواطن العادي، يكون له بالضرورة دور في قضايا الشأن العام. هنا وددت الإشارة إلى أن البعض يتوقع من الأكاديمي الباحث الاعتراك المباشر والدائم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي – هذا لن يحدث دائماً لأسباب مختلفة وإن لم يحدث فهذا لا يعني بالضرورة بأن الأكاديمي الباحث لا يهتم بما يحدث في المجتمع وإنما يعبر بالأساس عن اختيار الباحث بحرية لآليات الاعتراك مع قضايا الشأن العام دون التقولب بما ينتظره منه الآخرون بالضرورة.
  • والأكاديمي المدرس في مؤسسات التعليم العالي وبالتحديد أساتذة كليات الحقوق لهم دور في قضايا الشأن العام من خلال تدريسهم لمحامي وقضاة ومستشاري المستقبل. وبهذا فإن تأثيرهم غير المباشر وطويل الأمد على الشأن العام من خلال تحضير جيل الفاعلين الرئيسيين فيه. وأهم تحديات كليات الحقوق اليوم هي في النظر إلى دراستهم “كدراسة مهنية” (profession) وليس كعلم، له أصوله ومناهجه. فدور كليات الحقوق ليس إعداد محامين وتدريبهم (هذا دور النقابات) ولا تحضيرهم ليكونوا قضاة (هذا دور معاهد القضاء). دور كليات الحقوق هو في تعليم حقوقيي المستقبل التفكير والمنطق والتحليل القانوني. وبهذا فإن مساهمة أساتذة كليات الحقوق بالأساس هي المساهمة في تقدم المعرفة من جهة والعمل باتجاه تعزيز مساحات الحرية بمعناها الواسع. وبهذا فإن من يدرس في كليات الحقوق بدون كلمتي السر هذه: المعرفة والحرية، فهو ليس أكاديمي بالمعنى الذي أقصده. هو مدرس مدرسة ابتدائية أو ثانوية بأحسن الأحوال.

 

  • بعد هذه التوضيحات، وددت مشاركتكم بعض الملاحظات حول دور الأكاديميين في تغيير وإصلاح القضاء – وبالتحديد دور من أعتبرهم “أكاديميين ملتزمين”، يتجنبون الاختباء وراء التخصص لتجنب الدخول في مجالات أخرى، ويتجنبون البحث أو ابداء الرأي إلا في القضايا الأقل خلافية، لتجنب الدخول في اشتباك مباشر مع السلطة القائمة أو مع التحيزات القائمة في المجتمع بكافة تجمعاتها. آفة العصر بالنسبة للأكاديميين هو التخصص الذي يمنع الأكاديمي من النظر خارج ما يعرفه ويتخصص به، معتبراً أن ما يحدث خارج حقل علمه الدقيق شيء لا يخصه. التخصص يقتل الحس بالأشياء الجديدة. يضع حد للذهول أمام الأشياء الغريبة والمختلفة – التمسك بالتخصص هو نوع من أنواع الكسل الذهني، فباسم التخصص يقوم الأكاديمي بما يُطلب منه، من قبل من لديهم “السلطة” في ذلك الحقل.

 

  • الأكاديمي الملتزم هو أكاديمي مبتدئ دائماً:

    فمن أسوأ ما يهدد الأكاديمي هو ما يسميه ادوارد سعيد “professionalism” بمعنى أن ينظر الأكاديمي لنفسه كموظف يعمل من الساعة 8 للساعة 4 وبالتالي يصبح هدفه هو البقاء في السفينة وتجنب إغراقها؛ وبهذا يتم الحديث عن البقاء “موضوعياً” والمقصود بذلك تجنب الدخول “بالسياسة” باعتبار أن قضايا الشأن العام سياسة وبهذا تقتضي المهنية تجنب الاعتراك فيها ومعها، وبالتالي تقتضي المهنية أن يبقى الأكاديمي خارج أي شيء إشكالي.

    • الأكاديمي الملتزم لا يلتزم بال”political correctness

      هناك خطر آخر يواجه الأكاديمي الملتزم وهو ما يسمى “political correctness” والمقصود بذلك أنه يطلب من الأكاديمي بالعادة إحترام القواعد الناظمة لحقل علمي محدد ولقضية معينة. فيتجنبوا الخروج عن الإطار الذي يحدده لهم آخرون. من هنا مثلا قد يكون حاجات المؤسسة التي يعمل فيها الأكاديمي أو السلطات الأكاديمية في الحقل هي سبب اكتفاء الأكاديمي بالتحرك داخل الإطار الذي حدده الآخرون باسم political correctness.

      الأكاديمي الملتزم هو مغترب دائماً

      الأكاديمي الملتزم أيضاً هو مغترب دائماً – لا يشعر أبداً بأنه وصل. وليس المقصود طبعاً الغربة الجسدية. من إيجابيات الأكاديمي الملتزم المغترب هو أنه يرى الأشياء ليس كما هي، بل كما حصل أن أصبحت ما هي عليه. بمعنى آخر النظر للأمور ليس على أنها عرضية وليس شيء لا بد منه، وبالتالي النظر لها على أنها حصيلة خيارات حصلت تاريخيا من أشخاص محددين، كأحداث مجتمعية حدثت من قبل بشر. وبهذا في موضوع القضاء، فهو ينظر لما حدث على أنه نتيجة خيارات أشخاص محددين وبأن ما هو قائم حالياً وصل إلى هذه الحال بسبب تلك الخيارات وبالتالي فإن هذا الوضع قابل للتغيير. وهذا إطار فكري ملائم جداً لاحداث التغيير.

      • الأكاديمي الملتزم ينتقد:

        الأكاديمي أيضاً يضع الانتقاد / النقد قبل التضامن بأنواعه المختلفة، العائلية، القبلية، النقابية، أو حتى الوطنية. للمفكر دائما الخيار ويمكنه أن يختار أن يقف مع الضعيف في المجتمع، الأقل تمثيلا، المنسيين، أو المهمشين. ليس للأكاديمي الملتزم جماعته التي تسبق حريته في الرأي والتفكير والنقد.

        • الأكاديمي الملتزم لا يحترم الرواية المهيمنة:
  • الأكاديمي الملتزم يقدم رواية مختلفة عن الرواية المهيمنة وبالتالي فهو قد يرى ما يقوم به “النحن” أو من يمثل النحن بطريقة مختلفة. فيروي الرواية للأحداث كما تمت وليس كما نرغب بأن تظهر للآخرين. هؤلاء ليسوا “خبراء” بالنسبة للسلطة القائمة. هؤلاء مزعجون بما يقولونه، وقد لا يتم استدعائهم أو طلب رأيهم في المستقبل. الأكاديمي الملتزم يتجاوز التحديدات التي تضعها الدول ضمن مصلحتها القومية أو الأمنية ويمكنهم أن يتبنوا مواقفا جريئة تعرضهم للخطر والمسائلة والملاحقة.
  • تقوم الحكومات بالعادة لتجنب مثل هذه الأدوار من خلال تدجين الجامعات والمراكز البحثية من خلال دعمها ودعم بعض مشاريعها البحثية التي تذهب باتجاهات معينة. في حالتنا يكون هذا التمويل مشروطاً بحيث يتم استخدام مصطلحات معينة، البحث في مجالات معينة، وتجنب البحث والكتابة في قضايا معينة.

    الأكاديمي الذي لديه ممول يعمل ما يمليه عليه، أو مجموعات يسترضيها ويجعلها سعيدة من مواقفه، سيفقد الحرية في التفكير. هؤلاء الأكاديميين لا محالة ستربطهم بمن لهم عليهم سلطة أو من يمارسون عليهم نوع من أنواع القوة. لهؤلاء الأكاديميين المهنيين أقول من الضروري أن يعودوا ليكونوا أكاديميين مبتدئين فيسترجعوا حريتهم الأكاديمية تجاه من لديهم سلطة أو قوة.

    • الأكاديمي الملتزم لا يقبل بالوضع القائم

      الأكاديمي ينظر إلى الواقع ليس على أنه status quo فهو بطبيعته يرى الأشياء بأنها قابلة لتجديد والتجربة لأنها بطبيعتها مؤقتة. وبالتالي لديه الشجاعة لاقتراح أشياء مختلفة، أن يقترح التغيير، لا أن تبقى الأمور في مكانها.

      • الأكاديمي الملتزم يحترم حرية الفكر حتى لألد أعدائه:

        الأكاديمي الذي يقبل أن يتعرض للضغوطات بسبب تمسكه بالحرية عليه أن يعرف بأن الحرية لا تتجزأ فلا يستطيع أن يطلبه لنفسه ويرفضها حتى لعدوه. للمعلومات دي توكفيل وميل كانوا ينظرون للحرية عندما تتعلق بالفرنسيين والإنجليز لكنهم رفضوها عندما تعلقت بالجزائريين أو الهنود.

        • الأكاديمي الملتزم لديه وقت للصمت ووقت للحديث:
  • لا يتوقع من الأكاديمي أن يتحدث في كل شيء وفي كل وقت. ولكن على الأكاديمي الملتزم واجب خاص لابداء موقف حاسم من السلطة القائمة في المجتمع عندما تتخذ قرارات تكون من شأنها التأثير سلبا على ذلك المجتمع. وهنا مثال على ذلك من بين غيرها الكثير من الأمثلة – التدخلات التي تمت على القضاء، مدمرين الأساس الذي تقوم عليه أي قضاء مستقل وعادل. وبهذا فإن الأكاديمي الملتزم يُعلي صوت الحق أمام سطوة السلطة.

الخاتمة:

أنهي بالقول بأن الصورة الأقرب لتوصيف الأكاديمي الملتزم بالنسبة لي هي التالية: وسأنطلق من مثال كرة القدم (بما أننا في إطار مباريات كأس العالم لكرة القدم):

الأكاديمي بعكس المحامين والمؤسسات الحقوقية والقضاة الذين يكون لهم دور مباشر في موضوع إصلاح القضاء واستقلاله كونه يمس مهنتهم بشكل مباشر وبالتالي فإن تفاعلهم مع هذه القضية حيوي لمهنتهم وقدرتهم على قيامهم بدورهم ضمن هذه المنظومة، يشبه دوره في عملية التغيير والإصلاح بالنسبة للقضاء، دور المتفرج وليس دور اللاعب أو الخصم أو حتى الحكم. دور الأكاديمي كمتفرج فيه الكثير من العيوب وأقل كثير من التوقعات بالنسبة للاعبين ولكنه دور ضروري – دور من يرى الصورة الأوسع بحقائقها المختلفة (والمتناقضة أحياناً) وبمواقف فاعليها ومصالحهم المختلفة (والمتناقضة بالضرورة). 

  • وددت أن أنهي بهذه الصورة. يا ريت أثناء المداخلة أن تدققوا النظر فيها. ماذا ترون؟

والآن للصورة – ماذا ترى؟ متى ما رأيت من الصعب ألا ترى. هذا أيضاً بالنسبة للأكاديمي الملتزم. إذا “رأى” فمن الصعب ألا يرى بعد ذلك.

The illusion reveals itself!

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s