كفاح كانط من أجل الاستقلالية، بيرزيت 14/1/2023

كفاح كانط من أجل الاستقلالية (مراجعة وتعليق على كتاب رائف زريق)، مراجعة عاصم خليل.

Raef Zreik. Kant’s Struggle for Autonomy: On the Structure of Practical Reason. 344 pages. Expected publication January 15, 2023

* تم تقديم المداخلة يوم 14/1/2023 في معهد مواطن (الاقتباسات من المراجع في آخر المداخلة.)

معروف عن Kant الكثير من القصص الطريفة التي قد تعرفون بعضها – من حيث كونه مثلاً يقوم بنزهته اليومية مشياً على الاقدام بدقة تامة وغير متأثر بالجو… لدرجة أن الناس كانوا يدققون ساعاتهم على ضوء ذلك.

وغيرها كونه لا يحب أن يحدثه أحد أثناء السير في نزهته اليومية – كونه كان على قناعة بأن يتنفس من أنفه وعدم إدخال الهواء من الفم نتيجة الكلام وبالتالي المرض. وهو ما يقال أنه من وراء عمره الطويل.

ويقال أيضاً بأنه كان وعاش فقيراً حتى سن متقدم – وأنه لم يملتك بيته الخاص حتى كان عمره 59 سنة.

كما أنه لم يتزوج أبداً وفي حالتين فكر في الموضوع لكنه أخذه وقت طويل في التفكير لدرجة أنه في الحالتين طارت العروسة. وبقي بلا زواج وبلا أولاد. لكن غيرهم فسر ذلك بأن من يتزوج ويكون له أولاد سيلتهي بهم وبتأمين حياتهم وبالجوانب الاقتصادية لدرجة أنه سيلتهي عن عمله.

بهذا فإن Kant فيلسوف ممتاز – مثل الكثير من الفلاسفة والذين تركوا إرثاً كبيراً ومؤثراً – ولكنه كان سيكون زوج وأب سيء.

لكن أكثر شيء معروف عن Kant برأيي هو صعوبة كتاباته – ويبدو أنه كأستاذ كان أفضل من كونه كاتب. هذا ما كتبه أحد طلبته:

I have had the good fortune to know a philosopher who was my teacher. In the prime of life he possessed the joyous courage of youth, and this also, as I believe, attended him to extreme old age. His open, thoughtful brow was the seat of untroubled cheerfulness and joy, his conversation was full of ideas and most suggestive….

He encouraged and gently compelled his hearers to think for themselves; despotism was foreign to his disposition. This man, whom I name with the greatest gratitude and reverence, is Immanuel Kant; his image stands before me, and is dear to me.

 وقد يكون أستاذ أفضل لأنه كان مضطراً لذلك. فقد كان لفترة طويلة “يعمل على الراس” أي يدفع له مقابل الطلبة الذين يسجلون في مساقاته: بمعنى آخر كان مضطر يكون واضح في تدريسه!

ولكنه لم يكن يرى بأنه مضطر لتوضيح ما يكتب كونه بالأساس موجه للفلاسفة وليس للعامة – والفلاسفة لا يحتاجون لتوضيحات لفهم كتاباته والتي وصل عدد صفحات كتبه المختصرة 800 صفحة!

مع ذلك عندما أرسل نسخة الكتاب إلى فيلسوف آخر لقرائته، Marcus Herz، أعاده له بعد قراءة نصفه، مشيراً إلى أنه خاف على نفسه من الجنون إذا استمر في القراءة.

ولهذا يهاب الكثير قراءة Kant مباشرة. وهذا هو حالي. حيث لم اقرأ أي مما كتبه حتى الآن. معظمنا يفضل أن يفهم Kant من خلال آخرين خاضوا التجربة وقاموا بتوضيحها للآخرين.

وبالتالي الجملة الشهيرة بأن أقرب خط بين نقطتين هي الخط المستقيم لا تصلح في علاقة القارئ مع Kant. نحتاج للتعريج على آخرين قاموا بدراسته، وقاموا بتوضيح فهمهم له، وقاموا بعرض نتيجة تطبيق نظريات Kant على الحقول العلمية الأخرى.

هذا ينطبق على كتاب الشجاع رائف زريق – ليس لأنه فقط يقوم بتوضيح ما قاله وكتبه Kant بل أيضاً يقوم بمحاولة لتجاوز التناقضات التي تبدو في كتاباته، وفي كتابات أتباعه، من حيث مركزية الاستقلالية في نظرية Kant، مقابل المفهوم الأكثر شمولي، للمرجعية للحقول المختلفة، التي تتمتع باستقلالية نسبية، ولكنها تتشابك وتترابط فيما بينها.

ومن هنا شخصياً ما كنت وما زلت مهتم به حول علاقة القانون بالأخلاق، وما بني على فكر Kant من استقلالية للقانون مقارنة مع الأخلاق وبالتالي كحقل منفصل ومستقل عنه، في تحديد ما هو جائز وغير جائز قانونا دون العودة لمرجعية أخلاقية بالضرورة. وهذا النهج الذي أدى في حالات مختلفة إلى كوارث مرتبطة بتطور القانون الوضعي كونه مرتبط بسلطة عامة ذات سيادة تحدد ما هو مشروع قانونا وما هو غير مشروع.

قرأت في مكان ما أن أي شخص اليوم لديه من المعطيات التاريخية المتراكمة التي تؤهله لأن يعرف أكثر بقليل من الفلاسفة الكبار الذين أثروا بكتاباتهم فيمن أتوا بعدهم. فإيمانويل كانط عاش في القرن الثامن عشر (1724-1804) ، عاصر الكثير من الأحداث والتي سآتي على ذكرها مرة أخرى لاحقاً ومن أهمها الثورة الفرنسية لكنه لم يعش كما أي شخص كفاية ليواكب التاريخ. التاريخ أكبر بكثير من أي منا، من أي فيلسوف، من أي رجل دولة، من أي شخص.

من هنا أيضاً أهمية هذا الكتاب لرائف زريق. فهو لا يتحدث فقط عن Kant. إنه يتحدث عن العالم اليوم. بما عرفنا أنه حدث خلال أكثر من قرنين بعد وفاة Kant. بما في ذلك التطورات التي حدثت حول الدول وشكلها وما تبع الثورات الفرنسية والأمريكية واستمرار عملية فصل الدين أو الكنيسة عن الدولة. بما في ذلك الحروب العالمية الأولى والثانية. وبما في ذلك الاستعمار ونهاية الاستعمار. وبما في ذلك طبعاً الإطار الخاص للكاتب، كحقوقي وأكاديمي ومحامي، وكفلسطيني يحمل الجنسية الإسرائيلية في دولة تمارس الاستعمار الاستيطاني على الشعب والأرض الفلسطينية. فهل هناك ما هو مفيد في نظرية Kant.

قرأت الكتاب وأنا أبحث عن ذلك. لأتفاجئ في نهاية الكتاب – في آخر فقرات حرفياً ما يلي:

My second response comes from the very particular place I am writing, and from a very particular experience. This particular experience has two aspects. On the one hand, I am a lawyer by profession and in my experience in making arguments about law, in law, in court, and about the court, I have found Kant’s universalization test to be unhelpful. Not because it does not produce arguments, but because it allows the opponent in court to use the universalization test to support their arguments as well. It might be the case that Kant is helpful in allowing this conversation to go on, and in furnishing the conceptual space that enables legal discourse to flourish, but not in bringing the debate itself to closure. I could not find Kant when I needed him most.

The other experience is a political one that bears on the fact that I am a Palestinian living in the state of Israel. This is a highly contested place and the locus of a much-debated conflict with many enthusiastic supporters on both sides: Israel and the Palestinians. Here again, I tried to consult Kant on these matters, and to deploy various universalization tests, to little avail.

يعني لو قرأت آخر فقرتين قبل أن اقرأ الكتاب لتوقفت عن البحث في الكتاب عن أجوبة لما هو الأكثر أهمية بالنسبة لي، سواء كأستاذ قانون دستوري على سبيل المثال وهل يمكن لنظرية Kant المساعدة بالوصول إلى أجوبة حول الطريقة الصحيحة لتطبيق الدستور أو لإنفاذ الحقوق. What is the right thing to do؟ قد تكون النتيجة فعلا كما ذكر رائف زريق – هو أن نظرية Kant تساعد الأطراف جميعا لايجاد حجج لدعم مواقفها المتناقضة أمام المحكمة. ولكنها مع ذلك تبقي الباب مفتوحا للنقاش بدل أن تحسمه بأي من الاتجاهين.

كذلك كفلسطيني حقوقي أتساءل عن شرعية القوانين في ظل أن معظم ما هو ساري منها صادر إما عن سلطات أخرى غير فلسطينية أو محتلة أو مستعمرة أو أجنبية. وحتى عند وجود مشرع “فلسطيني” لأول مرة يكون السؤال حول مدى اعتبار القانون مشروعا وبالتالي يكون على المواطنين واجب الطاعة لهذا القانون.

فهل كل ما يصدر عن سلطة الاحتلال والاستعمار غير مشروع؟ وهل هناك أي واجب للطاعة لقانون في طبيعته وجوهره عنصري وتمييزي ويحقق أهداف استعمارية أو غايات دولة الاحتلال؟ وما هو موقف الأفراد من هذا القانون وما هو موقفنا من الجهات التي تنفذ تلك القوانين وهل تشكل سلطة عامة لا يجوز لنا بأي حال من الأحوال الثورة عليها؟

وما هي طبيعة القوانين الصادرة عن سلطة فلسطينية منتخبة (المجلس التشريعي ورئيس السلطة بين 1996-2006)، وما هو مصير المشروعية في ظل غياب الجسم التمثيلي للفلسطينيين والتشريع من خلال القرار بقانون منذ 2006 وحتى الآن؟ هل كل ما يصدر من قوانين عن سلطة وطنية مشروعا وواجب الطاعة؟ هل كل ما يصدر عن سلطة وطنية بدون جسم تمثيلي غير مشروع ولا يلزمنا بالطاعة؟

الكتاب مليء بالفصول المثيرة. لفت انتباهي التركيز على النظام العام وعلى سلطة الدولة في فرض النظام العام. وربط ذلك في مفهوم الثورة والتناقض الذي يظهر بين ما يظهر من كتابات Kant مقارنة مع ما يبدو أنه موقف شخصي لKant تجاه الثورة الفرنسية. ففي حين اتخذ المنظرون والفلاسفة في حينه موقفا مؤيدا للملكيات اقترف Kant جرما سياسيا (يضاف لجرمه الديني، من خلال نظرياته التي اعتبرت عن حق أنها “قتلت الله”، قبل نيتشه وآخرين، والذي تحملته السلطات السياسية في حينه – ومن حسن حظنا لأنه بذلك تمكنا من أن نحصل على فكر Kant وكتاباته والتي كان وما يزال تأثيرها كبيراً إلى اليوم). يقول ويل دوران في مقدمة الفصل المكرس لإيمانويل كانط (في موسوعته تاريخ الحضارات، المجلد العاشر):

IF Frederick the Great had not lived we might never have had Immanuel Kant

لكن الجرم السياسي الذي لم تتحمله السلطات السياسية في حينه هو في وقوفه على ما يبدو في موقف داعم للثورة الفرنسية – حيث يقال أنه قال بأنه “يمكن الآن أن تطلق نفس عبدك بسلام” كما تقول الآية من الإنجيل. ويبدو أن Kant قال عن الثورة الفرنسية ما يلي:

“The French nation, by the bath of its revolution,” he wrote, “has been freed from many institutions which the spirit of man has left behind like its baby shoes, and which therefore weighed upon it, as they still weigh upon others, like lifeless feathers.”

هناك عدة تفسيرات وبعضها محاولة رائف زريق أيضاً للموائمة بين فكر Kant وموافقه مثلا من الثورات – ويقترح أن ننظر إلى فكر Kant بشمولية أكثر. فنقرأ كتابته بالعكس. من آخرها لأولها. ونقرأ رأيه حول العدالة لفهم موقفه  حول الأخلاق. وحول النظام العام لنفهم موقفه من العدالة. وهكذا. قد يكون هذا مفيداً. ولكنني أقترح أن ننظر للأمر من منطلق آخر – من منطلق المفكر الملتزم. فKant يكتب ما يفكر أنه له معنى من حيث القواعد التي يضعها. ولكنه في حياته يفكر من منطلقات أخرى.

فتأثير وضعه كأستاذ غير مثبت – رفض تثبيته في الجامعة مرتين. وبقي يعمل بشكل مؤقت بحسب عدد الطلبة. وهذا الوضع يؤثر على كتاباته مقارنة مع تدريسه.

وكونه أخذه سنوات كثيرة في الكتابة وضيق الوقت وتقدم سنه عند نشر أول كتاباته الهامة في العام 1781، عن عمر 57 سنة. والذي ظهر فيه كفيلسوف – وإن كان يعتبر قبل ذلك عالماً، طبعاً هذان المفهومان في حينه لم يكون بالإمكان فصلهما عن بعض.

لكن عدم أخذ وقت إضافي لتوضيح كتاباته يرتبط بشكل مباشر بعدم وجود وقت لديه كشخص متقدم بالسن من جهة وفي إطار من الحرية المرتبطة بالوضع السياسي العام والذي يبدو أنه كان ممكنا له ولم يكن ممكنا لآخرين قبله وبعده بسبب تأثير الكنيسة ومحاربتها للكتابات التي تنتقض الأسس اللاهوتية التي كانت تعتبر مهمة للنظام العام واقتراح أسس أخرى، قد تكون الأسس الأخلاقية التي يقترحها بقواعدها المختلفة حول الانسان كغاية وليس كوسيلة أو حول القانون الشمولي universal law وما إلى ذلك. وهي كلها لا تنسجم مع الفكر الذي كان سائدا في حينه.

كما أن جزء من التسامح الذي حظي به Kant من السلطات السياسية في حينه لما يكتبه، مرتبط بكونه شخص كبير في السن وبالتالي “يترك بحاله ولا يضايقه أحد”. وفي كل الأحوال – كانت هذه وجهة النظر – لم يكن هناك تخوف مما يكتب لأن القليلين سيقرأونه والقليليلن الذي سيقرأونه قد لن يفهموا ما يكتبه أصلاً!

هذا التسامح مع Kant هذا والذي توقف لاحقاً بتهديده بشكل مباشر من السلطات السياسية (وقد كان عمره 70 سنة) رافقه ما يشبه خنوع الكاتب للسلطات ووعده لهم بعدم النشر أو ما يشبه ذلك. أمام المنتقدين طبعاً يجب في حينه أن نأخذ بعين الاعتبار عمره. فهو ليس في عمر يؤهله للقتال والعراك مع السلطات. ومن هنا منشورات أخرى صدرت له فقط بعد مماته وهي الأكثر وضوحا وتتعلق بالدين.

الخلاصة ما أحاول أن أقوله بأن Kant ليس بالضرورة Kantian. وسؤالي بالتالي للدكتور رائف زريق  حول ما يعتبر Kantian وليس عن Kant نفسه: ما هو في المحصلة رأي Kant في الثورات. هل يمكن للثورة أن تكون مشروعة. وإن كانت كذلك. فمتى تكون طاعة السلطة العامة المسؤولة عن حفظ النظام العام ضرورية وملزمة ومتى لا تكون.

كذلك الأمر سؤالي للدكتور رائف زريق حول الفكر الكانطي وليس عن كانط – متى تكون الطاعة للقانون الصادر عن السلطات العامة ملزمة ومتى نكون في حل من طاعة الحاكم. ما الذي يجعل من القانون سيء فيجب إصلاحه مقابل أن القانون سيء لدرجة أنه يصبح علينا واجب عدم طاعته ومحاربته بل والثورة عليه؟

لا أخفيكم سراً إن كان مثال الشرطي الذي يلاحق شخص متخفي في البيت – والسؤال هو هل يجب قول الحقيقة بغض النظر عن النتائج أم يمكن أن تكون هناك طرق أخرى لاخفاء الحقيقة دون الكذب. فما الذي يلزمنا فيه فكر Kant من حيث قول الحقيقة! هل نحن مضطرون لأن نقول الحقيقة دائماً. عندما استمعت لمحاضرات Michael Sandel حول: ما هو الشيء الصحيح عمله what is the right thing to do ويذكر فكر Kant وقصة الشرطي على الباب. فهل نحن مضطرون لقول الحقيقة والاعتراف بأننا نخفي شخص نحبه ونعزه ولكنه يهرب من السلطات؟ يذكر نفس المؤلف قصة أخرى – فما هو جوابنا لشخص يطلب رأينا حول “ربطة عنق” جديدة نراها سيئة وبشعة ولكن صاحبها معجب بها ويطلب رأينا بها؟ هل قول الحقيقة دائماً هو الطريق الصحيح أم أن هناك طريقة أخرى لعدم قول الحقيقة دون أن نضطر للكذب وبالتالي ننسجم مع القواعد التي يضعها Kant؟

لمثل هذه الأجوبة تأثير على حياتنا اليومية – ليس فقط حول كيف نكون كأشخاص أفضل بل أيضاً كحقوقيين وأكاديميين. وكذلك والأهم كمواطنين.

Will Durant, The Story of Philosophy: The Lives and Opinions of the World’s Greatest Philosophers (Pocket Books, 1926). 704 pages.

Will Durant, Ariel Durant. The Story of Civilization #10. Rousseau and Revolution. 1092 pages, Hardcover. First published January 1, 1967.

Paul Guyer (Editor). The Cambridge Companion to Kant. 500 pages, Paperback. First published March 11, 1988.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s